شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
دستور عقدي لمملكة دستورية   طباعة  البريد الاكتروني
Sunday, 25 April 2004

كتب: لبيب الشهابي

التوقيع على العريضة الدستورية واجبٌ وطنيٌ يحتم على كل بحريني وبحرينية شيباً وشباباً أن يتقلدوا مسئوليتهم التاريخية حيال الأجيال القادمة، فإذ رضينا بالوضع القائم حالياً بما لا يتيح مشاركة شعبية في اتخاذ قرارات الأمة فإننا نؤسس لواقع مرير ومستقبل مظلم للأجيال القادمة وسوف يلوموننا لأننا وقفنا موقف المتخاذل الذي يرضى بالأمر الواقع دون أن يحاول تغييره.

العريضة أسلوبٌ سلميٌ مهذبٌ ينم عن عقلية مسالمة تحترم نفسها في المقام الأول وتسعى لنيل حقوقها التي أقرها لها الدين والدستور علماً أن المطالبة بدستور 1973م لا لأنه مقدس أو منزل من السماء ولكنه يكتسب صيغة التعاقد بين الحاكم والمحكوم مما يجعله ينظم العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية من أجل تنظيم الحقوق والواجبات في حين أن دستور المنحة الصادر بعد الانقلاب على ميثاق العمل الوطني الذي يمكنني أن اعتبره ميثاق مصالحة ففي المصالحة لا يجب أن يستغل أي طرف ثقة الطرف الآخر فيظلمه أو يجور عليه، والمصالحة هي تأسيس لأسلوب جديد في التعاطي بين الأطراف المتصالحة ومد لجسور الثقة من أجل البناء والتقدم.

إن الإشكالية الدستورية التي أدخلنا فيها دستور المنحة الصادر بدون تفويض من جانب الملك وحده هي نذير بلاء للأجيال المتعاقبة إن نحن رضينا بالوضع القائم ولم نسع لتغييره، ونحن على ثقة أن حل الإشكالية الدستورية والأزمة التي زج البلادَ فيها نظامُ الحكم هي أول بادرة يجب على النظام أن يقوم بها لا مكرمة منه ولا تفضلاً وإنما هي حق من حقوق هذا الشعب الأبي المسالم.

ونحن حين نوقع على هذه العريضة إنما نسجل موقفاً تاريخياً يبين رفضنا واستياءنا من دستور لا يكتسب التعاقد والقبول بين الشعب كمصدر للسلطات جميعاً ونظام الحكم المتمثل في آل خليفة، لأننا نريد إصلاحاً جذرياً ونريد أن نعيش في مملكة دستورية ارتضاها الحكم لنفسه ولكنه للأسف استوردها كتجربة ناضجة في أعرق الديمقراطيات اسما دون أن يأخذ بآلياتها، ففي المملكة الدستورية لا يمكن أن يكون رئيس الوزراء منتمياً للعائلة الحاكمة إلا إذا تم انتخابه من أبناء الشعب وفيها لا يكون أحد كائناً ما كان فوق القانون، فالقانون هو الحكم الأول الذي ينتصف للضعيف من القوي وينظم علاقاتهما.

إن الباعث على الأمل هو الإصرار المنقطع النظير الذي أبدته الجمعيات المنظمة للمؤتمر الدستوري على إطلاق عريضتها في وقتها مما يكسبها مصداقية وتأثيراً في بلورة الوعي الجماهيري وتعريف الناس بحقوقهم المشروعة، وقد انطلقت فعاليات العريضة في مناطق مختلفة من قرى ومدن البحرين على الرغم من الجهور اليائسة التي بذلتها الحكومة حينما أوعزت إلى وزير العمل مجيد العلوي بالتلويح بإغلاق الجمعيات وحل مجالس إدارتها إلا أن هذا الخيار لا يمكن أن تقدم عليه الحكومة بل هو من الغباء السياسي وهذا ما جعل الجمعيات توطن أنفسها استعداداً له، فالجمعيات كمؤسسات لا تلبي طموح السياسيين في البحرين فهم يرون فيها قيداً أكثر مما يرون فيها آلية للمطالبة بالحقوق السياسية، إذ أن الكل يعلم أن الجمعيات طبقاً لقانون وزارة العمل الذي ينظم عملها لا يتم التعاطي معها على أنها تنظيمات سياسية إذ أن "مملكة البحرين الدستورية" ليس لديها تشريع ينظم تكوين الأحزاب كما في "الممالك الدستورية الأخرى كالمغرب والأردن! أقول إن الحكومة لن تقدم بأي حال من الأحوال على إغلاق الجمعيات لأن وجود الجمعيات التي تعمل بصورة لا يقرها القانون وإنما أمر ملكي وذلك لسبب بسيط وهو أن الجمعيات كتنظيمات سياسية كما أراد لها ملك البلاد جعلت جميع التنظيمات السياسية تطفح إلى السطح مما يجعل إمكانية مراقبتها أمراً في غاية السهولة وعدم وجودها يعني الاتجاه نحو التنظيمات السرية وهذا ما لا تريده أية حكومة في العالم، أضف إلى ذلك التغيرات الإقليمية والعالمية وخصوصاً الوضع في السعودية الذي يؤثر تأثيراً مباشراً على البحرين ناهيك عن قمة الدول الصناعية التي من المقرر عقدها في واشنطن الشهر المقبل والتي من المقرر إطلاق "مشروع الشرق الأوسط الكبير" خلالها؛ فكل هذه الأمور مجتمعة تحول دون إعلان حالة الطواريء التي لوحت بها بعض الجهات إيحاءً من الحكومة.

إن شعب البحرين مطالب بجميع تلاوينه وانتماءاته أن يدعم العريضة الشعبية بكل ما أوتي من قوة تاركاً وراء ظهره كل المرجفين والمثبطين الذين إن كانوا بين صفوف الأمة فإنهم لن يزيدوها إلا خبالاً؛ فالشعب اليوم وأكثر من أي وقت مضى يعرف من يناضل في سبيل حقوقه ويعرف من يناضل في الخندق الآخر لنيل مصالح ضيقة من منطلق الأنانية وحب الذات متقلداً شعاراً لا يفهمه أحد أكثر منه "أنا وما بعدي الطوفان".