شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
المطالبة باصلاح مناهج التعليم: ما طبيعتها... ما أهدافها ومن وراءها؟   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 26 May 2004

د. سعيد الشهابي

الأربعاء 26 مايو 2004

ما طبيعة الدعوة لاعادة النظر في مناهج التعليم في العالم الاسلامي؟ أهي حقا نابعة من قناعة بضرورة اصلاح انظمة التعليم بهدف رفع مستوي الاداء الاكاديمي علي الصعيد العلمي؟ ام انها محاولة لاعادة صياغة العقل العربي ليكون مناسبا للمقاس الامريكي؟ هل الحديث يتحرك في اطار نهضة علمية حقيقية تنبعث علي خلفية الرغبة في مسايرة الامم المتقدمة خصوصا في مجال التكنولوجيا، ام في اطار مقولة ما بعد الحداثة ليختفي البعد الديني من مناهج التربية تدريجيا؟

وهل الرغبة في التطوير منطلقة حقا من داخل مجتمعاتنا بعد دراسات مستفيضة وبقرار ذاتي ام هي قرار خارجي مفروض ومدعوم بما تمتلكه واشنطن من وسائل الضغط والاكراه والابتزاز؟ مهما كانت دوافع دعاة اصلاح المناهج التعليمية فلا يمكن فصلها عن التحول الايديولوجي في السياسة الامريكية تجاه العالمين العربي والاسلامي. انه الفصل الثاني من التنظير لمقولة ما بعد الحداثة بمقاسات خاصة تناسب هذين العالمين، وتهدف لتطويعهما للهيمنة الثقافية الغربية بعد اكتمال فصول الاستعباد السياسي. وكما هي العادة، فبدلا من الاعتراف بوجود هذه الضغوط الامريكية، يسعي المسؤولون لنفي وجود اي اكراه لهم للقيام بهذه المراجعة التي لم تحدث من قبل بهذه السرعة والسعة.  فمن اندونيسيا في الشرق الي المغرب في الطرف الغربي من العالم الاسلامي، يتهافت السياسيون للادلاء بتصريحات حول ضرورة اعادة النظر في مناهج التعليم بدون تحديد الاطر المناسبة لمثل هذه المراجعة او الدوافع الموضوعية لها، وبدون استمزاج الرأي العام، او طرح القضية للتداول الشعبي. فلماذا هذا الاستعجال؟ وما آفاق التغيير المطلوب؟ وما المرجعية الفكرية والدينية لتلك المراجعة؟ ومن هم المشرفون علي كل ذلك؟ التساؤلات لا تنتهي خصوصا مع تلاحق الاعلانات حول عزم اغلب دول المسلمين للقيام بمثل ذلك. انها دوامة لا تنتهي من الجدل العقيم للبحث عن المبررات تارة وتوضيح الدوافع تارة اخري. غير ان جوهر المشكلة ان انظمة الحكم في العالم الاسلامي تعاني من عدد من المشاكل ذات الارتباط بهذه القضية. فمن جهة فان الحكام مطالبون أمريكيا بالانصياع لالحاح واشنطن علي تغيير مناهج التعليم، وهو مطلب امريكي بدأ بشكل خاص بعد حوادث 11 سبتمبر، علي اساس ان التعليم الديني الحر (اي البعيد عن انظار الحكومات واجراءاتها) اصبح يفرخ المتطرفين ويؤسس لثقافة العداء لغير المسلمين، ويزين للشباب اعمال العنف، ويعدهم بالحور العين حتي اذا قتلوا بين قومهم. هذا ما يقوله الغربيون، برغم ان الوقائع لا تؤكد ذلك. ومن جانب آخر فهؤلا الحكام مطالبون من جانب شعوبهم بالافصاح عن دوافعهم لتلك المراجعة بشكل منفتح وبعيد عن التعميم والضبابية. ثم لماذا هذا الاستعجال؟ ففي غضون عامين استطاع الخطاب الامريكي فرض نفسه بشكل فاعل علي الاجندتين العربية والاسلامية، واصبح التجاذب والشد من سمات لغة الخطاب بين المتحمسين لهذا الاصلاح والمشككين في دوافعه ومنطلقاته. والحكومات مطالبة من جهة ثالثة بتفسير تلكئها في تطوير مناهج البحث العلمي والتربية الاجتماعية والدينية بعد عقود من انطلاق التعليم الحديث في اكثر مناطق العالم الاسلامي حساسية.

فجأة استيقظ المسلمون علي اجراس مزعجة دقتها ايد خفية في آذان اولياء الامور بدون سابق انذار. تقوم النظرة الامريكية التي رسمتها مخيلة المحافظين الجدد مثل دانيال بايبس وغيره، علي افتراض ان التعليم الديني المتبع في اغلب البلدان العربية خصوصا في المملكة العربية السعودية اصبح مصدر خطر علي الامن والسلام الدوليين لانه ينتج اجيالا متطرفة في التفكير والتوجهات. وتحركت الايدي الصهيونية للاشارة الي الآيات القرآنية التي تتحدث عن اليهود في اطار تطور الطرح الديني تاريخيا، بعيدا عن مدلولاتها المنوطة بالزمان والمكان. وتعرض القضية كأنها حديثة العهد، برغم وجودها القديم الذي لم يؤد يوما الي ما يدعيه المنظرون الجدد في واشنطن. فاليهود عاشوا في ظل الدولة الاسلامية في سلامة من دينهم ودنياهم، ولم يتعرضوا للاضطهاد الذي نالهم في ظل الدولة الاوروبية الحديثة. فلم يتعرضوا للاضطهاد في فلسطين يوما، ولم يضطروا للهروب من البلدان العربية والاسلامية التي عاشوا فيها مثل العراق واليمن والمغرب الا بعد قيام الكيان الاسرائيلي الذي أسس للخلاف الديني، وجسد الاضطهاد اليهودي للمسلمين. ووفقا للارقام التي يدعيها اصحاب نظرية الهولوكوست فقد سقط ستة ملايين يهودي ضحايا للنظام النازي في المانيا.

ولم يجد اليهود العراقيون او المغاربة او اليمنيون انفسهــــم مجبرين علي مغادرة اوطانهم الا بعد تحقق ما يسمونه ارض الميعاد التي أقيمت علي أراضي فلسطين. وكان حريا باوروبا او امريكا تخصيص ارض لليهود بدلا من فلسطين، ولكنهم لم يفعلوا ذلك. والتراشق الاعلامي بين العرب والمسلمين من جانب، و الكيان الاسرائيلي من جانب آخر ليس منطلقا علي خلفية اختلافات دينية، بقدر ما هو نتيجة للاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. فالعلاقات المتوترة بين المسلمين عموما واليهود اليوم ليست منطلقة علي اسس دينية بل ناجمة عن خلافات سياسية بسبب احتلال فلسطين. وما تزال ندوات الحوار بين الاديان تركز علي ضرورته بدون استثناء اتباع ديانة دون غيرهم.

من جهة اخري فالحديث عن معاداة السامية لم ينطلق بسبب المناهج التعليمية في العالمين العربي والاسلامي، بل انطلق في اوروبا في بدايات القرن الماضي وقبله، حتي ادي الي قيام الحربين العالميتين. بل ان الا ستطلاعات الاخيرة في الدول الاوروبية تؤكد وجود نزعة عداء ضد اسرائيل ، الامر الذي لم يفسر بانه نتيجة مناهج التعليم في تلك الدول، بل بسبب سياسات شارون وحكومته ضد الشعب الفلسطيني. وتجدر الاشارة الي ان اي حديث في الاعلام الغربي حول اليهود يعرض بانه معاداة للسامية، اما استهداف العرب بالتجريح والنقد والاعتداء فلا يصنف ضمن جرائم معاداة السامية. هذا مع العلم ان العرب ينحدرون ايضا من سام وبالتالي فهم ساميون ايضا. ولكن الاعلام الغربي لا يتعرض لاي نقد عندما يستهدف العرب كأمة او كثقافة. ولذلك استشرت ظاهرة التخويف من الاسلام الاسلاموفوبيا ولم تتخذ الحكومات الغربية اجراءات صارمة للحد منها او ا حتوائها. وما يزال الاسلام عرضة للتجريح والنقد بدون حساب او حدود، وهو امر لا يستطيع الغربيون انكاره. نعم هناك محاولات بين الحين والآخر لمنع تفاقم ازمة الاعتداءات الاعلامية علي المسلمين، ولكن في غياب قوانين تحميهم لا يمكن وقف استهداف المسلمين من قبل الاعلام الغربي القائم. كما تجدر الاشارة ايضا الي ان الحديث عن ضرورة تطوير مناهج التعليم في العالمين العربي والاسلامي يهدف لتقليص مساحة التربية الدينية في المدارس، والاقتصار علي طرح الدين، كما هو الحال في الغرب، كممارسة شخصية وتجربة ذاتية بعيدة عن الواقع وغير مرتبطة بالتطور الاجتماعي والانساني، وهو امر لا يمكن القيام به عندما يكون الحديث مرتبطا بالاسلام. فالاسلام يتطلب من اتباعه قراءته بوعي بهدف التطييق وليس بهدف الاطلاع المجرد. ففي الدول الغربية القائمة علي مقولة العلمانية التي ترعرعت في عصر الحداثة، تعرض الاديان السماوية علي الاطفال بقدر من الموضوعية، ولكن علي اساس الثقافة وليس بهدف تشجيع الالتزام الديني. وهذه مسألة لا تستطيع الحكومات العربية والاسلامية تجاهلها او التراجع عنها تحت الضغوط الخارجية. والسعي لتأميم مدارس التعليم الديني محاولة لا يمكن ان يكتب لها النجاح الا اذا طرحت تلك المدارس مفاهيم تكرس مقولة الصراع الحضاري والفكري بين العالمين الغربي والاسلامي. بينما الواقع ان المروجين لهذا الصراع هم من غير المسلمين. اما مقولة ان المدارس الخاصة في افغانستان مثلا او باكستان او السعودية اصبحت اوكارا للتطرف الاسلامي وساهمت في بلورة الطرح السلفي الذي يتهم بعدم استعداده للقبول بالآخر الديني، فهو ادعاء له جانب من الصحة ولكنه لا يمثل الواقع حقا. وربما ينطلق القائلون بذلك من حقيقتين: اولاهما ان نظام طالبان قام علي اكتاف طلبة العلوم الدينية في باكستان، الذين نشأوا في المدارس الدينية الخاصة، وبالتالي يمكن القول ان هذه المدارس، ما لم تكن تحت اشراف مباشرة من السلطات المركزية في البلدان التي تنشأ فيها، ستظل منطلقا للتطرف والتشدد. اما المصداق الآخر لذلك فهو ما يتردد من ان انظمة التعليم الديني في السعودية مرتبطة بالمتشددين وليست مستقلة عنهم. وبالتالي فستظل، اذا لم تخضع للرقابة المحلية والدولية، مصدرا للمتطرفين والمتشددين. وهذه اشكالية كبيرة تضغط علي العلاقات التاريخية بين نظام الحكم السعودي والادارة الامريكية عموما.

المعروف ان الدول العربية تخضع عادة للضغوط الامريكية حتي اذا اظهرت معارضة لما تطرحه واشنطن. فمثلا بادرت السعودية التي تصر علي استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي، لمطالبة اوبك بزيادة الانتاج النفطي بمقدار مليوني برميل يوميا، وذلك بهدف خفض الاسعار تلبية لطلب الولايات المتحدة الامريكية. والسعودية ليست الوحيدة، بل ستقف معها دول نفطية اخري مثل الكويت وحتي ليبيا. وعارضت الدول العربية مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي طرحته واشنطن مدعية رغبتها في تطوير الديمقراطية في العالم العربي، ولكنها ما لبثت ان طرحت في قمة تونس الاخيرة مشروعا للاصلاح الداخلي، وهو الاول من نوعه من جانب الحكومات العربية. وجاء طرح الوثيقة لاظهار ان الاصلاح ينطلق من الداخل، وليس مفروضا من الخارج. والحقيقة ان الضغط الامريكي هو الذي دفع الحكومات العربية للتفكير للمرة الاولي في تاريخ العمل العربي المشترك في المشروع الديمقراطي والاصلاح السياسي. وتقول الوثيقة التي تمت مناقشتها في قمة تونس الاخيرة، ان التلكؤ في السابق كان بحجة الانشغال بالصراع العربي - الاسرائيلي، ولكن الاوان قد حان للاصلاح السياسي حتي لو بقي ذلك الصراع قائما. ومشكلة الحكومات العربية انها تشعر بالضعف الذاتي الي المستوي الذي يجعلها تبحث عن تغطية ذلك الضعف بالتظاهر بعدم الخضوع للضغوط الخارجية. هذه الحكومات لم تعترف يوما بوجود مشكلة سياسية داخلية تتمثل باستمرار اساليب القمع ورفض المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي، وانتهاك حقوق الانسان، بل تعتمد علي اساليب تضليل الرأي العام لاظهار الوضع علي غير حقيقته. وهناك ثلاث دول عربية تتسابق للحصول علي دعم معنوي من قمة الدول الصناعية المزمع عقدها الاسبوع المقبل بواشنطن، وهي المغرب والاردن والبحرين.

 ان تطوير مناهج التعليم عنوان لا غبار عليه اذا كان يهدف لتطوير الاداء العلمي بشكل يجعل المؤسسات الاكاديمية قادرة علي تلبية احتياجات بلدانها في مجالات التنمية والتطوير الاداري والاقتصادي. اما اذا اقتصرت مراجعة تلك المناهج علي تقليص مساحة التعليم الديني، واعتبار القيم والتعليمات الاسلامية مصدرا للتطرف والتشدد، فان ذلك سيعود بنتائج عكسية. المشكلة ان الدعوة لتطوير مناهج التعليم تأتي متزامنة مع اجراءات تقوم بها دول غربية عديدة لمواجهة الالتزام الديني وخصوصا ظاهرة الحجاب، وهو امر لا علاقة له بالتطرف والتشدد. في السابق كانت فرنسا متهمة بالسعي لتغيير ثقافات الشعوب التي تحتلها، اما اليوم فقد اصبحت الولايات المتحدة تمارس اساليب مماثلة في التعاطي مع الاسلام وتوحي للعالم بان الالتزام الاسلامي هو الذي يؤدي الي التطرف وتربط كل ذلك بظاهرة الارهاب. وفي الوقت نفسه يسعي القادة الغربيون بين الحين والآخر للفصل بين الاسلام كدين ومواقف المجموعات الاسلامية المتطرفة، ويعكس ذلك التناقض حالة غموض تلف المشروع الامريكي عموما، فالدعوة الي الديمقراطية التي يمثلها مشروع الشرق الاوسط الكبير يصاحبها دعوة لمحاصرة الظاهرة الاسلامية، ولذلك تتأصل حالة الشك في الاجندة الامريكية تجاه المنطقة. ان مما لا شك فيه ان نهضة العالم الاسلامي تتطلب تطوير الاداء العلمي وذلك يتطلب اصلاح مناهج التعليم. وهذا بدوره يتطلب جهودا حثيثة من الجميع لانهاض الامة من السبات والتراجع. ولكن هذه النهضة يجب ان تكون مؤطرة بالاسلام وقيمه الانسانية، بعيدا عن التشدد والتطرف. وهذا لا يتحقق الا اذا اصبح الانفتاح السياسي ظاهرة حقيقية تمارس عمليا علي الصعيد السياسي، ويسمح بتعدد الآراء، ويعتمد مبدأ التسامح مع الآخر: الانساني، والديني والفكري. ولذلك فالنخب المثقفة تخوض اليوم صراعا مع الاطروحات الكثيرة التي تفاجئها بدون توقف، وتضغط عليها لاتخاذ مواقف داعمة بدون ان تكون مستوعبة للمنطلقات والدوافع والاهداف.

 

للإدلاء برأيك في ما جاء بالموضوع يرجى زيارة المنبر العام بمنتدى الدراز.