شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
جدلية الرمز والرمزية: ماذا لو كان الامام الخميني حيا؟   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 02 June 2004

الدكتور سعيد الشهابي

خمسة عشر عاما منذ ان رحل الامام روح الله الموسوي الخميني عن هذه الدنيا، وبرغم ان هذه الفترة ليست طويلة في المقياس الزمني للامم والشعوب، فقد شهدت من الحوادث الجسام ما لم يكن في الحسبان. ولعل ابرز هذه التغيرات الحضور الامريكي غير المسبوق في عمق العالم العربي – الاسلامي،  وفي العمق العراقي على وجه التخصيص، وهو حضور عملي لم يستطع العالم الا ان يطلق عليه "احتلالا".

وبغض النظر عما كان يحمله البعض من افكار مسبقة حول الامام الخميني وافكاره واطروحاته الاسلامية، فقد اتضح اليوم اكثر من اي وقت مضى صحة نظراته السياسية في ما يتعلق بقضايا كثيرة في مقدمتها "اسرائيل" وامريكا. يضاف الى ذلك اطروحاته حول قضايا الوحدة الاسلامية والتحرر من الاستعباد للاجانب وتركيزه على الشعوب في حركة التغيير، بالاضافة الى التزامه بالقيم الروحية وعدم اكتراثه بالحكم كطموح شخصي.

التطرق للامام الخميني يقتضي الاشارة الى مفهوم "الرمز" و "الرمزية" وما تمثلانه في عالم لا ينفك عن حاجته لهما. كما لا يمكن الحديث عن هذا الرجل بدون الاشارة الى بضع شخصيات اخرى عاصرته واصبحت لها رمزية خاصة لدى شعوبها في اغلب الاحيان ولدى شعوب اخرى في بعضها. وفي اغلب حالات التوصيف لآثار تلك الرموز، تبرز المفارقات الشاسعة بين الرمز والرمزية من جهة ومن يخلف هؤلاء وما يخلفهم  في الناتج العملي من جهة اخرى. ولتوضيح الصورة يمكن الاستشهاد بثلاثة رموز مهمة في تاريخ النضال السياسي المعاصر. ففي الهند مثلا، برز الزعيم مهاتما غاندي كرمز للنضال السلمي وارتبط اسمه بالمقاومة المدنية البعيدة عن العنف، وانطلق في مواجهته الاستعمار البريطاني من "هنديته" التي كانت اطارا لجمع الهندوسي والمسلم والسيخي. الهند التي نالت تحررها بفضل نضال المهاتما هي التي شهدت لاحقا صراعات دينية وعرقية ما تزال تفرض نفسها على واقع هذه الدولة وادت الى انفصال المسلمين عن ذلك الجسد، وهو نتاج له ظروفه وما يزال مثيرا للجدل بين من يرى حكمة الانفصال ومن يعتبره خطأ تاريخيا. الهند تحمل من المفارقات ما لم تحتمله أجندة المهاتما وهو يواجه اعتى امبراطورية في العالم آنذاك، ولعل نجاحه في تحرير بلده من استعمارها كان بداية النهاية لتلك الامبراطورية التي لم تغب عنها الشمس في ماضيها. تستطيع الهند اليوم ان تدعي لنفسها انها حققت ما عجز الكثيرون عنه، فرئيسها مسلم، ورئيس وزرائها من طائفة السيخ، واغلب سكانها من الهندوس. لكنها هي نفسها التي شهدت قبل عام واحد اعتداءات الهندوس المتطرفين على اقليم الكوجرات التي ترعرع فيه غاندي نفسه، وقتلوا اكثر من الفين من المسلمين، واغتصبوا النساء وحرقوا الاحياء، وهدموا المساجد، واجبروا اكثر من 150 الفا من المسلمين على الفرار من ديارهم. وقالت التقارير اللاحقة ان الحكومة الهندوسية والشرطة تواطأوا في الجريمة. مفارقات الهند اليوم تجعل تركة غاندي غريبة عما كان يطمح اليه الرجل الذي ما يزال رمزا للنضال السلمي والصمود والتعفف. هؤلاء هم الرموز الذين يخلدهم التاريخ ولكنهم يتحولون مع الزمن الى سلع تباع اسماؤها وتشترى بعد افراغها من حقيقة القيم والمثل التي عاشت من اجلها.

وفي جنوب ا فريقيا ارتبط النضال الوطني بشخص نيلسون مانديلا، وهو رجل ما يزال يحتل موقعه في الوجدان الانساني، سواء بصموده وراء القضبان 27 عاما بدون مساومة على مطالب شعبه، ام بسياسات بلده على الاقل على الصعيد الخارجي، وهي سياسة لا تعجب اولئك الذين دعموا النظام العنصري حتى سقوطه. لقد بقي مانديلا الرمز عنوانا للصمود، وما يزال كذلك، ولكن ما حال جنوب افريقيا التي كان يطمح اليها ذلك الرمز؟ لقد حلت جنوب افريقيا محل الارجنتين في ما يسمى الليبرالية الجديدة، وفتحت ابوابها امام الشركات المتعددة الجنسيات، بينما ما يزال اهلها ينتظرون سياسات الاصلاح الزراعي الموعودة. فقد وعدت الحكومة باعادة توزيع الاراضي الزراعية لـ 26 مليونا من الذين لا يملكون شيئا، ولكن ذلك ما يزال حلما. وبينما ينحصر ملاك الاراضي الزراعية في 60 الفا من المزارعين البيض، يعيش 60 بالمائة من المواطنين بدون ارض. وفي عهد ما بعد النظام العنصري، تراجع دخل 40 بالمائة من العائلات السوداء بمعدل 20 بالمائة، بينما تم اجلاء مليوني عائلة من بيوتها، ويموت 600 شخص يوميا بمرض الايدز، وتبلغ البطالة 40 بالمائة. ما يزال مانديلا الرمز المحترم في جنوب افريقيا وفي العالم، يستمد قوته من ماضيه النضالي وعدالة مطالب شعبه، ولكنه لا شك يعيش شعور الاحباط وهو يرى طموحات شعبه لمرحلة ما بعد النظام العنصري بعيدة عن التحقق، لكن سلواه انه لم ينحن امام المناصب ومغرياتها، ولم يتخل عن قيمه النضالية ودعم تحرر الشعوب.

وماذا عن مارتن لوثر كنج؟ المناضل الاسود من اجل حقوق بني قومه في الولايات المتحدة؟ عندما وقف قبل 41 عاما ورفع صوته: انني أحلم، خلد له التاريخ تلك الكلمة لانه كان يناضل من اجل المساواة لبني قومه، وتحقيق شيء من حقوقهم في ذلك البلد الذي انتهك حقوق اصحاب البلاد الاصليين وابادهم. لقد كان يعلم ان حضارة الرجل الابيض ابادت شعوبا كثيرة في استراليا ونيوزيلاندا والولايات المتحدة، وكادت تحقق ذلك في زمبابوي وجنوب افريقيا. مارتن لوثر كنج حمل راية النضال السلمي لتحقيق مطالب شعبه، وقتل على ذلك الطريق. ففي الرابع من ابريل 1967 خطب في الناس قائلا انه لا يستطيع شجب الذين يمارسون العنف من قاطني الاحياء المهينة "الغيتو" بدون ان يتحدث اولا عن حكومته التي خلقت الاجواء لذلك العنف. لم يكن كنج رجل عنف، بل بدأ حياته يمارس سياسة الاقناع في مواقفه، حتى منح جائزة نوبل للسلام في 1964، ووقف ضد الحرب في فيتنام حتى كتبت الواشنطن بوست انه "قلص فائدته لقضيته ولبلده ولشعبه".  فأين حلمه اليوم مما يمارسه بعض بني قومه ممن استطاع الوصول الى مواقع متقدمة بفضل نضال مارتن لوثر كنج ومالكوم اكس وسواهما. ماذا سيقول اليوم عندما يعلم ان قرابة المليون ونصف من السود (اي ما يعادل 13 بالمائة من الامريكيين السود الذين يحق لهم التصويت) يعيشون في السجون بسبب ما يوجه اليهم من تهم يعتقدها البعض غير عادلة؟ وماذا سيقول للمجندين من السود الذين يشكلون قرابة ثلث الجيش الامريكي وهم يتوجهون الى الحروب التي تشنها امريكا على العالم؟ لقد خاطب كنج المجندين السود الذين كانوا يقاتلون في فيتنام وطالبهم بان يتدبروا في خيار "الاعتراض الضميري" ان لم يستطيعوا الاعتراض الفعلي على تجنيدهم لحرب غير مشروعة. لو كان حيا اليوم فهل سيعتبر الحرب ضد العراق وافغانستان مختلفة عن فيتنام؟ هل كان سيشجع السود على المشاركة في هذه الحروب؟ لا شك ان النضال من اجل استعادة حقوق السود في امريكا قد انتج رجالا مثل فاني لو،  وايلا بيكر وجيمس بولدوين وغيرهم، ولكن من الذي ورثهم؟ هل الورثة الحقيقيون هم كولن باول؟ ام كوندوليزا رايس؟ ام مايكل باول؟ هؤلاء هم اضداد الرمز، ولا يمكن ان يجسدوا رمزية  لنضال شعب او لموقف انساني مستقل.

ولكن هل تبقى للرموز قدسيتها لدى اتباعها؟ ربما يبقى شيء من القداسة، غير ان المثل التي تجسدها تتعرض للتشويش عادة ولا تحافظ على نقائها دائما. وفي عالم المسلمين لا يختلف الامر. فرمزية شخصية ما تستمر عبر التاريخ ولكن بانفصال عما ترمز اليه تلك الشخصية. فالامام الحسين بن علي عليه السلام رمز للنضال ضد الظلم والاستبداد والملك المتوارث، وقد أبى ان يبايع يزيد بن معاوية لانه لم يشأ ان يقر مبدأ تحول الحكم في الاسلام الى ملك يتوارثه الأبناء عن الأباء. والاحتفاء بمناسبة استشهاده اصبحت ممارسة ثابتة لدى اتباعه، المسلمين الشيعة، ولكن هل تتجسد شخصية الامام الحسين ومبادئه وقضيته التي استشهد من اجلها في سلوك محبيه؟ الملاحظ ان الكثيرين من المتحمسين لاحياء مناسبة استشهاده لا يؤمنون بالعمل السياسي المعارض للحاكم المستبد، بمعنى ان القيمة التي استشهد الحسين من اجلها لم تعد ملازمة لرمزيته. الامام الخميني رحمه الله، هو الآخر، اصبح رمزا للكثيرين من المسلمين، وهذه ا لرمزية انطلقت من صموده ووضوح الرؤية والبصيرة لديه. فهو لم يؤمن يوما بالحكم الاستبدادي لشاه ايران، وعارضه في منطلقات حكمه، وسياساته. واعتبر الولايات المتحدة الامريكية مسؤولة عن دعم ذلك الحكم  سياسيا وامنيا، مستغلة ثروات البلاد. وتجدر الاشارة الى ان شرارة ثورة الامام الخميني الاولى في 1963 كان اقرار قانون حصانة الامريكيين الذي أقره برلمان الشاه بموافقته على الطلب الامريكي بعدم تعريض الخبراء او الجنود الامريكيين للقضاء الايراني في حال اقترافهم مخالفات او جرائم. ويتردد اليوم ان الجنود الامريكيين والبريطانيين سوف يمنحون الحصانة في العراق. ماذا لو كان الامام الخميني حيا؟ أيرضى بالوجود ا لامريكي العسكري على حدود بلاده؟ ايران ما تزال تلتزم بأغلب مواقف الامام الخميني وسياساته خصوصا تجاه "اسرائيل"، ولكن هناك تآكل تدريجي لتلك الشخصية في الوجدان السياسي الايراني، قد يؤدي الى تلاشي آثاره من الحياة العامة مع الزمن.

القضايا الاخرى التي ميزت مواقف الامام الخميني ما تزال مثيرة للجدل. وفي مقدمة هذه القضايا الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. لقد  اعتبر الامام  رحمه الله ان "اسرائيل" غدة سرطانية في جسد الامة الاسلامية لا بد من اقتلاعها، واصبحت السياسة الايرانية قائمة على اساس عدم الاعتراف بذلك الكيان، وهي سياسة ما تزال قائمة حتى اليوم. وأطلق تسمية "الشيطان الاكبر" على الولايات المتحدة، ودعا الامة الاسلامية لليقظة والحذر من مخططاتها وسياساتها، فمن الذي اتعض؟ كما نظر الى القدس عنوانا لقضية فلسطين وطالب المسلمين باعتبارها قضية اساسية يجتمعون عليها ويتظاهرون من اجلها مرة واحدة على الاقل في العام، شأنها شأن المحطات الاسلامية التي تجمع شمل المسلمين في ايام معلومات. يضاف الى ذلك انه كان انسانا متعففا، بسيطا في حياته، لم يتطلع للسلطة، بل اعتبر موقفه عبادة تقربه من ربه، فعاش عبدا لله ولم ينحن لغيره. لم يخلف وراءه شيئا من حطام الدنيا، ولم يترك لأبنائه منصبا او مالا. تلك السمات قليلا ما تتجسد في انسان ارتبط اسمه بتغيير جوهري في بلده. لقد ترك الامام الخميني لورثته مسؤوليات جسيمة تتطلب منهم جهودا كبيرة وارادات حديدية لكي يحافظوا عليها. ولكن رمزية الامام، شأنها شأن رمزية الآخرين كما سبق، لم تعد مرتبطة بمواقفه وسياساته، بل بشخصيته التاريخية بعيدا عن قيمه ومثله. فما أكثر الذين يقدسون الامام الخميني ولكنهم يبررون التقاعس عن مقارعة الاستبداد، ويخلقون لانفسهم الذرائع والحجج لتبرير عدم تصديهم للامور العامة. الامام الخميني لم يكن سياسيا محترفا (بمعنى انه لم يزاول السياسية كمهنة)، بل اعتبر نفسه مسلما مسؤولا عن رفع الظلم عن شعبه، والتزم الاساليب السلمية في نضاله، ودعا الى المقاومة المدنية عندما كان يعيش في منفاه بالنجف. ولذلك تميزت الثورة الاسلامية التي قادها بطابعها السلمي، ولم تتجسد فيها معالم التشدد او التطرف. لانه كان يؤمن بدولة مؤسسة على القانون، وامر بوضع دستور دائم للبلاد أقره الشعب بالتصويت، قبل ان تدخل البلاد عهد الانتخابات البرلمانية والرئاسية. هذا بغض النظر عن اللغط الذي يسود الاجواء الايرانية في السنوات الاخيرة حول الدستور وضرورة تطويره وموقع مبدأ "ولاية الفقيه" في الحياة السياسية والعامة.

ان رمزية الامام الخميني ستظل قائمة لانه كان واحدا من الرجال الكبار الذين لا يعرفون الا عندما يدخلون التاريخ ويغيبهم الموت عن الانظار. وبعد خمسة عشر عاما على وفاته، ما تزال رمزيته تشير بوضوح الى القيم التي روج لها، والمباديء التي رسخها واصبحت مرتبطة بمعاني الصمود والاباء والشموخ ووضوح الرؤية وعدم المساومة، والتمسك بالقيم الروحية ومحاربة الفساد ودعم المناضلين في كل مكان، ورفض الاحتلال والدعوة لمقاومته. ذلك هو جوهر رمزية الامام الخميني التي تعرضت، كما تعرض من قبله، للتقديس الشخصي مع التملص من القيم الوجدانية. هؤلاء الرموز يتجدد وجودهم عندما تعم المحن وتدلهم الخطوب وتعيش الامة اجواء ضبابية او تراجعية، وتشعر بالحاجة لقيادات تاريخية. هؤلاء الرموز لا يطلون على العالم الا لماما، وعندما يظهرون يصاحبهم النور، ولكنه نور ما يلبث ان يختفي لتعود الظلمة من جديد.