شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
ايران امام مصيدة المشروع النووي والتوترات الاقليمية   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 23 June 2004

د.سعيد الشهابي

القدس العربي 23/6/2004

ربما يكون القرار الذي اصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية الاسبوع الماضي بشأن المشروع النووي الايراني واحدا من القرارات القليلة التي يصفها الطرفان الاساسيان في التخاصم بالايجابية، فقد رحبت به ايران والولايات المتحدة، كل علي مضض. ففيما قال مساعد المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية آدم ايرلي في ايجاز صحافي ان القرار سيفرض مزيدا من الضغوط علي ايران حتي تذعن لاتفاقية الحد من انتشار الاسلحة النووية التي وقعت عليها ولتنفيذ بقية تعهداتها في هذا الشأن ...

وصف السيد موسويان، الناطق باسم وفد الجمهورية الاسلامية الايرانية للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا فحوي القرار الصادر عن الوكالة بانه اكثر ايجابية من القرارات السابقة. وفسر موسويان في حديث للمراسلين قوله بان القرار لم يشر الي اي تقصير من جانب ايران، كما لم يتطرق الي أي انحراف في نشاطاتها النووية السلمية او قضايا اخري اثارها القرار السابق ضد ايران. هذه المواقف تصدر عادة اذا كان الطرفان متفاهمين في ما بينهما او انهما علي وشك التصالح، اما ان يكون الوضع كما هو عليه في الوقت الحاضر بين الجمهورية الاسلامية الايرانية والولايات المتحدة الامريكية، فالوضع يختلف، ويفرض تساؤلات مهمة حول القرار نفسه، وحول الوضع النفسي لكلا الطرفين، وكذلك مفهوم كل منهما لـ الايجابية التي احتواها القرار. ومن ذلك يتضح ان القرار لم يكن متساهلا تجاه ايران، وبالتالي اعتبرته واشنطن مكسبا، ولا بالسوء الذي كانت طهران تخشي منه، وبالتالي اعتبرته هي الاخري مكسبا. وبالتالي يعتبر القرار توافقيا بين الاطراف الاربعة المعنية بشكل مباشر به: ايران التي هي موضوع القرار مباشرة، والولايات المتحدة التي هي المحرض الاساسي لصدوره، والاتحاد الاوروبي ممثلا بدوله الثلاث الكبري: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي رعت المبادرة التي نزعت فتيل الازمة العام الماضي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتعرض لضغوط متواصلة من الطرف الامريكي لمحاصرة ايران بشأن مشروعها النووي. هذا لا يعني ان ايران مرتاحة تماما للقرار، ولكنها تري فيه قدرا من الايجابية اشا ر اليها السيد موسويان التي من بينها ايضا اشارته للتقدم الذي شهدتة مسيرة التعاون بين ايران والوكالة الدولية واشادته باخضاع ايران جميع منشآتها النووية لتفتيش الوكالة. اما ايرلي فقد اعتبر ان القرار الاخير يظهر جليا ان الجانب الايراني لم يف يتعهداته بشكل كامل وفق الجدول الزمني المقرر مسبقا موضحا انها اغفلت معلومات مهمة وضرورية عن برنامجها النووي . فما حقيقة الا مر؟ وهل حقا ان القرار كان توافقيا؟ وهل ان الايرانيين مرتاحون له؟

لقد شعرت القيادة الايرانية انها مستهدفة بشكل مباشر من قبل الادارة الامريكية اكثر مما كان الوضع عليه من قبل، وان واشنطن تخطط بشكل متواصل لاضعاف النظام السياسي في ايران، خصوصا بعد نجاحها (واشنطن) في تغيير مسارات الحكم في افغانستان والعراق، (وهو تغيير كانت طهران نفسها تسعي اليه) واضعاف المشروع الاسلامي في الدول الاخري. ومن الخطأ الاستراتيجي ان لا تشعر ايران بانها اصبحت الدولة المراد تركيعها وفقا للسياسة الامريكية. وقد ظهرت مؤشرات عديدة لهذا الاستهداف، الذي ياخذ احيانا اشكالا من الاستدراج اما لمواجهات سياسية او عسكرية في المحيط الاقليمي، او لفتح ملفات تاريخية تعتبر سلبية لايران علي الصعيد الدولي. ففي الاسابيع الاخيرة أعيدت قضية الجزر الثلاث المتنازع عليها بين ايران ودولة الامارات العربية الي الواجهة، وذكرت في بيان الاجتماع الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي الذي عقد قبل اسبوعين بشكل اعتبره الايرانيون استفزازا واصدروا بيانا يرفضون فيه موقف المجلس، وتبدو قضية الجزر مرشحة لان تكون عنوانا لازمة تتجدد كلما اقتضي الامر، ويمكن تحريكها في اي وقت لتحريك مياه الخليج باتجاه ازمات جديدة. وتزامن مع ذلك قضايا مفتتعلة غير ذات شأن لكنها توجه الاوضاع نحو المزيد من التوتر. ومن ذلك احتجاز متبادل لسفن الصيد بين ايران ودولة الامارات من جهة، وبينها وبين قطر من جهة اخري. وفي الحالة القطرية، قتل احد البحارة الايرانيين في ما اعتبرته السلطات القطرية اختراقا للحدود الاقليمية القطرية من قبل قوارب الصيد الايرانية. وسبق ذلك ضجة مفتعلة في الكويت حول لقاء باحدي الديوانيات ضم السفير الايراني وعددا من الكويتيين، وتم تبادل استدعاءات السفراء من قبل وزارتي الخارجية في البلدين للاحتجاجات الرسمية والاستفسارات. واخيرا جاء احتجاز الايرانيين ثمانية بحارة بريطانيين قالت انهم دخلوا بشكل غير مشروع مياهها الاقليمية في مياه شط العرب.

وتأتي قضية المشروع النووي الايراني في هذا السياق الهادف لتهيئة اجواء تضغط علي ايران بشكل متواصل. انها واحدة من قصص الالاعيب السياسية التي تهدف لصرف الانظار، ولو مؤقتا، بعيدا عما تواجهه السياسة الامريكية في المنطقة من مصاعب جمة، وعن محاولات تمرير مشروع شارون من جهة اخري. اذ لا يمكن فصل الضغوط المتواصلة علي ايران عن المشروع الصهيوني الذي يراد به استبدال كافة المشاريع الاخري التي رفضها الكيان الاسرائيلي في السنوات الاخيرة، ابتداء بالقرار 242 و 338، وما تم الاتفاق عليه في مدريد واوسلو، مرورا بمشروع ميتشيل، ومشروع تينيت، وخارطة الطريق الامريكية. فحكومة شارون لم تلتزم باي من هذه المشاريع، بل طرح رئيس الوزراء الاسرائيلي مشروعه الاخير بالانسحاب من بعض مناطق الضفة والقطاع مع الاحتفاظ بعدد من المستوطنات والاراضي الفلسطينية التي يفترض ان تخضع للسلطة الفلسطينية. هذا المشروع مرفوض عربيا وفلسطينيا، وترفضه ايران ايضا بشكل قاطع. وتشعر الولايات المتحدة ان الموقف الايراني ازاء مشروع شارون سيكون له اثره علي الارض، وبالتالي فلا بد من ممارسة الضغوط المتواصلة علي طهران لتحقيق هدفين: اشغالها عن القضايا الاقليمية خصوصا علي صعيد القضية الفلسطينية ومعارضة مشروع شارون، واخضاع مشاريع تسلحها عموما للرقابة الدولية الخاضعة للتوجيه الامريكي. وثمة بعد ثالث لهذه الضغوط، يتعلق بتنظيم القاعدة. فايران لديها عدد من المحتجزين من اعضاء ذلك التنظيم، وقد رفضت تسليم اي منهم للولايات المتحدة، وقامت بتسليم بعضهم لحكومات دولهم، وابدي بعض هذه الدول رفضه استلام مواطنيه تفاديا لتبعات ذلك. وترفض ايران التعاون المباشر مع الولايات المتحدة، وبالتالي تشعر واشنطن بغضب شديد تجاه طهران، وبالتالي تمارس هذه السياسات للضغط علي طهران.

المشروع النووي الايراني ليس جديدا، فقد مضي عليه قرابة الاربعين عاما، وتعاون مع طهران عدد من الدول المهمة مثل المانيا واليابان والصين وروسيا. وجاء التحريض الامريكي ضد ايران ومشروعها في السنوات الاخيرة في اطار سياسة واشنطن نزع سلاح الدول الاسلامية عموما. وتبدو باكستان مرشحة لتكون الهدف التالي للضغوط الامريكية، برغم سعيها لفتح صفحة جديدة مع الهند بعد الانتخابات الهندية الاخيرة. وفي اللقاء الذي جري الاسبوع الماضي بين وفدي البلدين اللذين التقيا في العاصمة الهندية، اتفق البلدان علي فتح خط ساخن لمنع اية مواجهة نووية بينهما مستقبلا. وغطت المباحثات الشأن النووي وانظمة الصواريخ بما في ذلك الاخطار المسبق بأي اختبارات علي الصواريخ ذاتية الدفع الي جانب الصواريخ العابرة للقارات. غير ان من المستبعد ان تترك الولايات المتحدة باكستان لشأنها. وبالتالي فمن المرجح اعادة فتح ملف المشروع النووي الباكستاني بعد الفراغ من الملف الايراني. طهران، من جانبها، تدرك حجم الضغوط التي تمارس ضدها، وتري نفسها محاصرة بخيارات أحلاها مر. فمثلا، بعد الاتفاق التاريخي بين الحكومة الايرانية والترويكا الاوروبية التي زارت طهران في اكتوبر الماضي لنزع فتيل الازمة مع الوكالة الدولية، اعلنت طهران انها ستعلق تخصيب اليورانيوم بشكل طوعي مؤقتا في مقابل تعهد تلك الدول بامدادها بما تحتاجه من اليورانيوم المخصب لمشروعها الذي تصر علي انه لاغراض سلمية. وتواصلت الضغوط علي طهران بعد ذلك من الوكالية الدولية للطاقة الذرية بحجة عدم تعاونها مع السيد محمد البرادعي، حتي بلغت الازمة مستوي التوتر والتهديدات المتبادلة.

طهران كانت تعول علي اجتماع مجلس الحكام التابع للوكالة الذي عقد اجتماعه الاسبوع الماضي وناقش الملف الايراني بشكل مفصل، وطالبت مرارا بغلق ملفها لدي الوكالة، ولكن الضغوط الا مريكية تواصلت ومنعت ذلك. وساد الوضع ترقب شديد قبل صدور قرار الوكالة، خصوصا ان اخشي ما تخشاه طهران هو احالة الملف الي مجلس الامن الدولي، وهذا ما تريده الولايات المتحدة الامريكية. وحيث لم يحصل ذلك فقد اعتبرته ايران نجاحا مهما لسياستها، وفشلا للضغوط الامريكية. وكانت الوكالة قد ارتكبت خطأ كبيرا عندما تضمن تقريرها المرفوع لمجلس الحكام معلومات خاطئة حول وحدة الطرد المركزي المعروفة بـ P2، اذ ذكرت ان ايران لم تقدم لها معلومات حولها. ولكنها استدركت لاحقا، وسحبت دعواها. وقدم الوفد الايراني معلومات واسعة حول وحدة الطرد المركزي بي 2، وعمليات تخصيب اليورانيوم التي تعمل بالليرز، واستعمالاتها غير العسكرية. كما قدم الوفد تفسيرات لتأخير زيارات وفود التفتيش في السابق، واعرب عن استيائه لعدم غلق المف نهائيا.

كانت ايران منزعجة من مشروع قرار الوكالة الذي اطلعت عليه سلفا، ومارست جهودا كبيرة لمنع تمريره بصيغته الاولية، حتي ان الرئيس خاتمي بعث رسالة شديدة اللجهة الي الوكالة مهددا بوقف التعاون معها. وكان لتلك الرسالة أثر ايجابي، اذ اضطرت الوكالة لاجراء تغييرات عديدة علي مشروع القرار قبل اصداره.

وتجدر الاشارة الي وجود لوبي قوي لايران في مجلس الحكام، واغلبهم ينتمي لدول عدم الانحياز الصديقة للجمهورية الاسلامية. وقد اخذ هذا اللوبي رسالة الرئيس خاتمي وتلميحه الي استعداد بلاده لوقف التعاون مع الوكالة، مؤكدا حقها في اعادة القيام بعمليات التخصيب، مأخذ الجد، وضغطوا لاصدار القرار بالصيغة الجديدة. الولايات المتحدة تعتقد ان قدرة ايران علي تخصيب اليورانيوم يشير الي وجود مشروع نووي سري لاهداف عسكرية، وتصر علي تخلي طهران عن مشروع التخصيب. ايران، من جانبها، تصر علي ضرورة تلبية احتياجاتها من اليورانيوم المخصب، كشرط لوقف عمليات التخصيب، وتتهم الدول الاوربية الثلاث بانها لم تلتزم بوعدها الذي قدمته لايران العام الماضي بالتعاون في المجال النووي وتوفير احتياجات ايران الاساسية من اليورانيوم المخصب. وتبدو الاوضاع مستقطبة بشكل خطير. فمن جهة تقف ايران (بأطيافها السياسية المتعددة) ضد سياسات الوكالة الدولية التي تتهمها بالانتقائية، وتهدد بوقف التعاون معها، ولكنها من جهة اخري تري ان التعاون مع هذه الوكالة هو الطريق الامثل لقطع الطريق علي سياسة التحريض ضدها من قبل الولايات المتحدة الامريكية.
وعلي صعيد آخر تعتقد طهران بانتقائية السياسة الامريكية، ومعها الوكالة الدولية، ويتجسد ذلك بالتغاضي عن المشروع النووي الاسرائيلي، برغم تطوره، وبرغم رفض الكيان الاسرائيلي توقيع اتفاقية حظر السلاح النووي التي وقعتها ايران منذ عقود. اما البروتوكول الخاص الذي يسمح للوكالة بالتفتيش المباغت للمنشآت النووية، فقد اعربت ايران سابقا عن عزمها علي توقيعه، وما تزال كذلك، برغم التصريحات التي صدرت الاسبوع الماضي من عدة جهات من بينها البرلمان الايراني بانها قد لا توقع ذلك البروتوكول. فايران تعلم ان عدم توقيعها ذلك البروتوكول سوف يعرضها لضغوط اكبر، وقد يؤدي لطرح ملفها علي مجلس الامن الدولي، وهو امر ليس في صالحها. خطورة الموقف تنطلق من عدد من الامور:
اولها حالة التصعيد التدريجي للخلاف بين ايران والوكالة الدولية، وثانيها تعمق حالة التشكيك في النوايا لدي الطرفين، وثالثها خضوع الوكالة الدولية للضغوط الامريكية المتواصلة، ورابعها، عدم وضوح الموقف الايراني حول طبيعة مشروعها وما اذا كان هناك بعد عسكري فيه.

واخيرا هناك حالة الانتقائية التي تمارسها الوكالة ومعها واشنطن ازاء مبدأ الحد من انتشار الاسلحة النووية والتعامل مع كافة الدول التي لم توقع علي الاتفاقية بنمط واحد. الايرانيون في موقف صعب امام هذه الالاعيب، ولكن رب ضارة نافعة، وربما ادت هذه الضغوط الي توحيد صفوفهم او علي الاقل احتواء خلافات الفرقاء في الحكم.