شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
حوار التغيير والاصلاح قديم جديد لكنه.. هذه المرة أكثر جدية   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 30 June 2004

د.سعيد الشهابي

30 يونيو 2004

ما تزال النخب العربية مشغولة بمناقشة مفاهيم الحكم وأسس الدولة العصرية واقامة حكم القانون وضمان الحقوق المدنية والسياسية، وما يرتبط بتلك القضايا من مفاهيم بعضها مستوحي من التجارب الغربية، والبعض الآخر من المصادر الاسلامية.

هذا النقاش ليس أمرا سلبيا، فالنخب في اغلب بلدان العالم، تناقش هذه القضايا كونها ترتبط بمصائر الناس ومسيرات الامم. الفرق ان النقاش في البلدان المحكومة بأنظمة سياسية ديمقراطية ينطلق من خلال الممارسة، ويتحرك في ضوء التجربة، وليس نقاشا نظريا بحتا، ويهدف لتطوير تلك الممارسة نحو الاحسن. بينما في عالمنا العربي اصبح النقاش شأنا نخبويا يفرض نفسه علي الطبقات المثقفة عموما بسبب سوء الاوضاع السياسية وتداعي الامن وغياب الاستقرار الذي هو الاساس الاهم للتنمية. برغم ذلك فالنقاش مطلوب، بشرط ان يؤدي الي حراك سياسي يدفع باتجاه الاصلاح، ولا ينحصر بالاهتمام النظري المحض. فاغلب الانظمة العربية، حتي اشدها قمعا، لا تمانع من النقاش الاكاديمي الذي لا تترتب عليه مواقف او يؤدي الي ظهور بوادر ثورية تهدد النظام القائم. وهناك ظروف موسمية تهييء الاجواء لطرح قضايا الحكم والسلطة، ولا شك ان العنف والارهاب في السنوات الاخيرة هو المحرك الاقوي لفتح ملفات الحكم وما يرتبط بها من مصطلحات ومفاهيم.

فالعنف الذي تشهده المنطقة العربية عموما لا ينفك عن أزمة الحكم القائمة منذ عقود، بل ان هناك ما يشبه الاجماع علي انها ناجمة عن غياب الحرية وانعدام الامن السياسي بسبب سياسات التسلط وانظمة القهر والاستبداد. ولم يخطيء الامريكيون عندما ربطوا ظاهرة العنف بحالة الفساد السياسي وطرحوا مشروعهم الذي عرف بمشروع الشرق الاوسط الكبير بعنوان الاصلاح، وان أخطأوا في تشخيص الدور الكبير للسياسة الامريكية في دعم الاستبداد، وهو الدور الذي بدأ بشكل فاعل بعد الحرب العالمية الثانية واستمر حتي الآن. ويمكن ملاحظة تزامن التداعي السياسي والامني في المنطقة بشكل واسع مع الاهتمام الامريكي بشؤون الشرق الاوسط، ويصعب فصل الحالة المتداعية لاوضاع العرب والمسلمين عن ذلك الاهتمام، بل ربما ارتباطهما بشكل وثيق. ولذلك جاءت التحفظات علي المشروع الامريكي للاصلاح، ليس في تفصيلاته، بل في مصداقية واشنطن ومدي الثقة بنواياها ودوافعها لطرح تلك المبادرة.

لقد اعتاد المفكرون العرب وصف الاوضاع التي تعيشها امتهم بانها خطيرة و غير مسبوقة و مفصلية ، وهذا الوصف يتكرر بشكل متواصل، ولم ينقطع قط خلال نصف القرن الماضي. وتكرر القول بان هذه المرحلة هي الاخطر في تاريخ الامة ايضا، ووصفت اوضاعها بانها تمر بمنعطف خطير . هذا يعني ان الوضع لم يتطور قط، بل تداعي بشكل مضطرد حتي بلغ ما وصل اليه في الوقت الحاضر. وما تعيشه المنطقة هذه الايام ليس سوي تطور طبيعي لذلك التداعي، وليس طفرة بلا جذور. لقد بلغت اوضاع الامة اليوم ما لم تبلغه في تاريخها الحديث، فقد ساد العنف والارهاب من جهة، وتكرس الاستبداد والقمع من جهة اخري، بينما انتشرت حالة الاحباط لدي الجماهير من جهة ثالثة. في هذا الوقت جاء الطرح الامريكي كمحاولة لتبرير التدخل العسكري والامني المباشر في شؤون المنطقة، وليحتوي الظواهر الارهابية الخطيرة التي تزداد حدة مع ازدياد التدخل الامريكي العسكري المباشر، وليوفر لواشنطن مسارا جديدا تؤسس عليه سياساتها المستقبلية في المنطقة. يوازي ذلك حالة من النقاش في الاوساط النخبوية حول ضرورة الاصلاح والتغيير، الذي اصبح يقابل، للمرة الاولي، بشيء من الاستماع الرسمي لما يقال. نقول انه استماع وليس تجاوبا، فما تزال انظمة الحكم غير قادرة علي استيعاب حجم المشكلة، وغير مستعدة للتعاطي بواقعية مع دعوات الاصلاح والتغيير والتجديد. فهل حوار الطرشان هذا ناجم عن عجز النخب في ايصال ما تريد الي الحكومات؟ ام بسبب شيخوخة انظمة الحكم العربية وبلوغها مرحلة العجز الكامل عن الاداء الوظيفي والاستيعاب الفكري لما يدور حولها؟ التهديد الذي يواجه النظام السياسي العربي اصبح منطلقا من الداخل، وسقطت المقولات التي كانت تسعي لايهام الجماهير بان المشكلة الاسرائيلية هي التي تحول دون الاصلاح والتطوير، واثبتت التطورات ان تلك المشكلة انما نجمت، في جانب كبير منها، بسبب ضعف الاداء السياسي الرسمي من جهة وما نجم عنه من تصدع الجبهات الداخلية للانظمة العربية، وما لازم ذلك من تداعي المعنويات وتباين الاولويات. ونجم عن كل ذلك بروز ظاهرة المجتمعات الاستهلاكية التي اصبحت اكثر انشغالا بهموم الحياة من اي شيء آخر. وتجدر الاشارة هنا الي ان الانشغال الاستهلاكي ليس قدرا للشعوب، بل حالة طارئة لا تدوم طويلا الا اذا كان هناك استقرار سياسي وامني.

اليوم، في ضوء التداعيات الامنية والسياسية الخطيرة، لم يعد بالامكان تجاهل الوضع بالشكل السابق، بل اصبحت تلك الاوضاع تضغط علي الدول الكبري، خصوصا الولايات المتحدة، لاعادة النظر في سياساتها التي قامت علي مقولة ان دعم الانظمة القائمة، وان كانت استبدادية، يخدم المصالح القومية الامريكية، وكشفت تطورات ما بعد حرب الخليج الثانية، ان الحقيقة تغاير ذلك تماما، وان المصالح الامريكية هي المتضرر الاكبر من استمرار الوضع الراكد المدعوم امريكيا. وسعت الولايات المتحدة لاقناع اصدقائها في المنطقة بضرورة الاصلاح والتغيير كمدخل لعهد جديد، وادركت ان مفهوم العولمة الذي يوفر للدول القوية نفوذا سياسيا واقتصاديا عالميا، لا يمكن ان يحقق مبتغاه ما لم يكن شاملا، بمعني ان سيادة قيم الحرية والديمقراطية والاصلاح السياسي يجب ان تشكل جانبا مـــن اية حلول لاحتواء الازمات المتفاقمة، وان المردودات الاقتصادية للغرب لن تتحقق ما لم تكن تلك العولمة بذلك الشمول.

وقد وقفت الولايات المتحدة حجر عثرة امام سيادة قيم الخير والعدالة في العالم، وسعت لاستثناء نفسها من الالتزام بما تفرضه مفاهيم العولمة في اطرها الحديثة، فحاولت تجاوز الاجماع الدولي متمثلا بالامم المتحدة، ورفضت التصديق علي المحكمة الجنائية الدولية، ووقفت عمليا بوجه حركات الاصلاح في العالمين العربي والاسلامي. واكتشفت الآن ان تلك السياسات لم تحقق لها الامن ولم تحفظ مصالحها. فأذعنت اخيرا للمطالبة الدولية باعطاء الامم المتحدة دورا بارزا في ادارة التحول في العراق، بعد ان ادرك الرئيس بوش ان قضية العراق سوف تؤدي الي خسارته في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في وقت لاحق من هذا العام، وبذلك تحقق جانب من مفهوم عولمة القرار السياسي . ووافقت الاسبوع الماضي علي عدم استثناء مواطنيها من المحكمة الجنائية الدولية، بعد سنوات من رفض التصديق علي المحكمة، وهو تطور فيه شيء من الايجابية لشعوب العالم. وجاءت الموافقة الامريكية في ضوء ادراك واشنطن ان مشروعها الذي قدمته الي مجلس الامن بتمديد استثناء جنودها من طائلة المحكمة لن يحظي بدعم دول المجلس، فقررت ان سحبه افضل من فشله. جاء ذلك بعد ان اطلع العالم علي ما جري في سجن ابوغريب والجرائم التي ارتكبت بحق المعتقلين العراقيين، وكذلك اساءة معاملة السجناء في قاعدة غوانتنامو، واصبح الطريق بذلك معبدا نحو شيء من عولمة العدالة . وازاء مسألة الاصلاح السياسي، فقد ادرك الامريكيون ضرورة الالتزام بـ عولمة الحرية والديمقراطية ، وطرحوا مشروع الاصلاح في الشرق الاوسط.

ما هو مطلوب في العالم العربي اليوم هو اعادة صياغة مسألة الحكم بشكل يحقق الحرية والعدالة ويحافظ علي القيم الانسانية ويوفر للانسان كرامته التي منحه الله اياها. ويبدو الصراع المستقبلي في المنطقة مرتبطا بمسألة الاصلاح، وهو صراع تشترك فيه اطراف عديدة: الحكومات العربية الرافضة للاصلاح لخشيتها من خسارة مواقع النفوذ، والجماهير المطالبة بالاصلاح الفوري وانهاء حقبة الاستبداد والقمع عبر انظمة حكم تحترم الانسان وحريته وحقوقه السياسية والمدنية، والحكومات الغربية خصوصا الامريكية التي ما تزال تقلب الامور وتزنها بميزان الربح والخسارة، بعيدا عن المباديء والقيم. ولربما نجم عن الاعمال الارهابية المرفوضة، نتيجة ايجابية واحدة، وهي ايقاظ الضمائر الميتة لدي اصحاب القرار السياسي في الغرب، بان الازدواجية في المعايير محكومة بالفشل، وانها تؤدي الي الاضرار بمصالحهم اكثر مما يتصورون. ولقد جاء طرح مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي اقرته قمة الدول الصناعية، وتباينت المواقف العربية ازاءه، ليفتح مجالا جديدا للنقاش الايجابي حول ضرورة التغيير. لكن النقاش ليس مضمون النتائج لاسباب عديدة. فحالة الشك لدي النخب والجماهير العربية ازاء الدوافع والمنطلقات الامريكية دفعت البعض لرفض المشروع باعتباره تدخلا غير مقبول بدوافع قد تكون غير شريفة. ورفضته الحكومات العربية لكي لا تضطر لاجراء اصلاحات تؤدي الي تغيير حقيقي يقضي علي استبدادها بالحكم. ومع ذلك التحسس والرفض، يمكن القول ان المشروع حقق بعض النتائج. فقد ادي الي توسيع دائرة الحوار والنقاش حول مفاهيم السلطة والتداول والتعددية وحقوق الانسان، وادي الي حالة خوف وقلق لدي الحكومات العربية من الانعكاسات السلبية الخطيرة لرفض الاصلاح، فأصبحت مجبرة علي مسايرة دعوات الاصلاح عموما، ولكنها في الوقت نفسه، عمدت لاساليب ماكرة لمصادرة تلك الدعوات او افراغها من محتواها. فها هي مصر تعتقل ناشطي الاخوان المسلمين في محاولة لتخويف الامريكيين من تبعات اي اصلاح حقيقي يؤدي الي السماح للاسلاميين بالعمل السياسي القانوني. وها هي السعودية تقدم المزيد من التعاون للامريكيين في المجال الامني والسياسي والاقتصادي (بزيادة الانتاج النفطي لخفض الاسعار) لتخفيف حماسهم للاصلاح، وتقوم بتجفيف المنابع المالية للمؤسسات الدينية التي تتهمها واشنطن انها تروج قيم التطرف والارهاب. وها هي الجامعة العربية تراوغ ازاء دعوات الاصلاح وتتبني مشروعها الخاص الذي يسعي لتمييع الموقف وتفويت الفرصة.

ان معركة الاصلاح السياسي في العالم العربي معقدة وطويلة، وقد اصبحت عنوانا لنقاشات مستفيضة متوقعة، ولكنها مشوبة بالكثير من المزالق، لاسباب عديدة. من هذه الاسباب استمرار المماحكات الايديولوجية في اوساط النخب المثقفة، ونزوع بعض التوجهات الليبرالية للتحالف مع الانظمة المستبدة لمواجهة الاسلاميين، ونجاح بعض الحكومات في استدراج مفكرين وناشطين الي جانب مشاريعها الاستبدادية عن طريق طرح خطاب جديد يستعمل لغة الاصلاح ويمارس الاستبداد. يضاف الي ذلك ان استمرار التطرف والعنف ربما يدفعان مجددا الي رفض الاصلاح حتي من قبل المتحمسين له، بحجة ان الاصلاح قد يأتي بمثل هؤلاء الي الحكم ويزيد الامور تعقيدا. الامر الجوهري لدي الانظمة العربية التي اصبحت تتشبث بالحكم بكافة الاساليب غير الشريفة، ان الحكام الذين امضوا عقودا علي الكراسي لا يؤمنون بتداول السلطة ولا يتحملون النقد ولا يقبلون المحاسبة. ونظرا لبقائهم طويلا في السلطة فقد اصبح حكام المنطقة يربطون أمن بلدانهم واستقرارها بوجودهم في مواقعهم، ويروجون ان الامن والاستقرار لا يتحققان في غيابهم. لقد استبدلت الدولة بالشخص، واختزل الشعب بعصابات متملقة تحيط بالحاكم وتنظر لاستبداده، وتسعي لتحوير مفاهيم الحرية والديمقراطية لتلائم ما يريده. والسؤال هنا: هل استمرار هذا الوضع حتمية تاريخية؟ هل الاستبداد حالة أزلية لا تنفك عن مجتمعاتنا؟