شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
قيم العالم الحر تتلاشي تدريجيا بتأثير اللوبي الصهيوني   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 14 July 2004

د.سعيد الشهابي

14/7/2004

تتعرض مقولة العالم الحر لامتحان صعب في ظل خضوع الغرب عموما لنفوذ سياسي وثقافي صهيوني في السنوات الاخيرة. فقيم هذا العالم اصبحت امام محك كبير مع تكثف الضغوط التي تهدف لمحاصرة الوجود الاسلامي في العالم خصوصا في اوروبا وامريكا، وهي ضغوط تنطلق اساسا من اللوبي الصهيوني الذي يعتقد ان هذا الوجود من شأنه ان يؤثر سلبا علي المواقف الغربية عموما من اسرائيل . مقولة العالم الحر انتشرت في في العقود الستة الاخيرة، وعلي وجه التحديد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وسعي الغرب لترويج قيم هذا العالم التي من بينها السماح بحرية التعبير والمعتقد والمنحي السياسي والديمقراطية الليبرالية. بل ان المفكر الامريكي، فوكوياما، أسس عليها نظريته حول نهاية التاريخ، قائلا ان هذه القيم عنوان لاكتمال المسيرة البشرية التي بلغت ذروتها الآن في الليبرالية الديمقراطية وبالتالي لم يعد هناك الآن مجال للمزيد من التطور، وهذا يعني ان التاريخ بلغ منتهاه.

هذه القيم كثيرا ما كرر الزعماء الغربيون الاشارة اليها والاشادة بها، وكرر الرئيس جورج بوش مقولة ان الارهاب الدولي انما يستهدف الغرب بسبب تمسكه بهذه القيم، ويبرر الحرب ضد هذا الارهاب بانه دفاع عنها. ولربما صدق فوكوياما في نبوءته بانتهاء التاريخ المرتبط بتلك القيم، وهذه النهاية تعني بداية التداعي الذي من مظاهره التنكر لها تدريجيا. ويمكن ان نسوق علي ذلك بعض الامثلة.

ربما كان امرا ايجابيا ان يبدأ المفكر الاسلامي المعروف، الشيخ يوسف القرضاوي، بفحص المياه السياسية بجولة الي بريطانيا في هذه الفترة العصيبة ليكتشف مدي التزام الغرب بقيمه. ولو كان القرضاوي في امريكا لاعتقل وأهين ووجهت له الاتهامات الملفقة، لان اللوبي الصهيوني يستهدف الرموز والعقول الاسلامية بهدف تصفيتها وانهاء تأثيرها علي مسيرة التقدم والحرية في العالم الاسلامي، لا يميز في ذلك بين المعتدلين و المتطرفين ، فليس هناك معتدل في نظر هذا اللوبي الا من يعترف بالاحتلال الاسرائيلي ويوافق علي التطبيع معه. مع ذلك لم تخل زيارة الشيخ القرضاوي للعاصمة البريطانية من منغصات كانت ضرورية لكشف القوي الفاعلة ذات التأثير المباشر علي السياسات الغربية عموما. اللوبي الصهيوني تحرك علي وجه السرعة للتحريض ضد الشيخ والمطالبة باعتقاله. وتصدي لهذه الحملة مجلس البرلمانيين اليهود، وهو مجلس يضم الاعضاء اليهود بالبرلمان البريطاني، فوجه تهما للشيخ القرضاوي بدعم الارهاب، وانه يقف بجانب الاستشهاديين في الارض المحتلة. ويعلم هؤلاء وغيرهم ان الشيخ القرضاوي محسوب علي الجناح المعتدل في الحركة الاسلامية، وليس علي المجموعات المتطرفة الناشطة في اعمال العنف والارهاب في مناطق متعددة من العالم. والشيخ القرضاوي ليس وحده الذي يعتبر ما يقوم به الفلسطينيون كفاحا مشروعا ودفاعا عن النفس، فقضية فلسطين مشتركة بين العرب والمسلمين وعشاق الحرية في العالم، ويشرع القانون الدولي اعمال المقاومة المسلحة لانهاء الاحتلال عموما. وقد وقف عمدة لندن، كين ليفينغستون، بجانب الشيخ القرضاوي ودعاه الي مكتبه، كما هي عادته مع القضايا العربية، ولم يعبأ بتهديدات اللوبي الصهيوني والضجيج الذي اثارته الصحافة اليمينية المتطرفة، وبالتالي فقد اثبت نفسه رجل مبدأ شأنه شأن عظماء الشخصيات الدولية التي وقفت ضد الاحتلال ودعمت نضال الشعوب لنيل حقوقها واستقلالها، مثل نيلسون مانديلا وغيره. الحكومة البريطانية وقفت موقفا معقولا برفضها الانصياع لطلب اللوبي اليهودي، لكن القضية ألقت بظلالها علي الوضع البريطاني والقوي التي تؤثر فيه، وفتحت ملف النفوذ الصهيوني في الغرب عموما.

وثمة خشية بان يؤدي النفوذ الصهيوني في العالم الغربي الي تراجع تدريجي لقيم العالم الحر ، وهو المصطلح الذي لم يبق للغرب ما يتشبت به سواه. فقد اصيبت تلك القيم بانتكاسات كبيرة في الاعوام الاخيرة، خصوصا مع تنامي ظاهرة التخويف من الاسلام التي يعتقد ان للمجموعات المرتبطة بالصهيونية دورا فيها. فاساءة معاملة معتقلي غوانتنامو فتحت عيون العالم علي مدي استخفاف القوة الكبري بحقوق الانسان، وكيف انها لا تقيم وزنا للقوانين الدولية ولا للرأي العام. وتلي ذلك ما ارتكبته من انتهاكات فظيعة للسجناء العراقيين، وهي انتهاكات حركت ضمير العالم، فأصر علي رفض الطلب الامريكي من مجلس الامن الدولي تمديد استثناء القوات الامريكية من المحكمة الجنائية الدولية. وكانت الرسالة التي انطوي عليها ذلك القرار ان العالم لا يستطيع اعطاء الولايات المتحدة صكا مفتوحا بعد التجربة المريرة التي تابع العالم بعض مشاهدها القبيحة علي شاشات التلفزيون. وانه لامر غريب جدا ان تلجأ امريكا لهذه الاساليب برغم ما تمتلكه من قوة عسكرية مفرطة. فبهذه التصرفات أضعفت مصداقية مقولات الغرب وما يتحدث عنه من مباديء في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان. ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، وتواصلت لتلامس عمق الوجدان الشعبي حتي في بلدانها. ويتساوي في ذلك ما تمارسه الولايات المتحدة من انتهاكات لحقوق السجناء في غوانتنامو وافغانستان والعراق، وما تمارسه بريطانيا وبقية الدول الاوروبية في اطار القوانين الجديدة التي طرحت بعنوان مكافحة الارهاب، وما تفرضه دول اخري مثل فرنسا من قوانين جديدة تهدف لاستئصال الالتزام الديني بمنع الحجاب والتضييق علي المؤسسات الاسلامية، وتشديد الحصار علي اللاجئين السياسيين خصوصا من بلدان العالم الاسلامي. بهذه الاساليب لا يستطيع منظرو الديمقراطية الليبرالية التباهي بمبادئهم، اذ اصبحوا في موقع دفاعي ضعيف امام الانتهاكات المتواصلة للحقوق المدنية، وهي انتهاكات، اذا سمح لها بالتواصل، فسوف تصل المواطنين الغربيين انفسهم. ولذلك اصبحت هناك اصوات قليلة ترتفع بين الحين والآخر محذرة من تداعي اوضاع الحريات العامة بشكل مضطرد، وتدعو لوقف القوانين التي يتم فرضها بحجة مكافحة الارهاب. وتسود الذهنية الغربية حالة من التشوش، اذ اصبح مسلسل الارهاب متصاعدا، بعكس ما تهدف اليه الحرب ضد الارهاب.

القوانين الاخيرة التي تهدف للتصدي للارهاب (ومنها ما يتم اعداده في بريطانيا هذه الايام) اصبحت تطال الحريات الفردية، وتحاكم الناس علي آرائهم، وتحاصر حرية التعبير بشكل واضح. هذا التداعي في المنحي العام للحريات له جذوره في الثقافة التي فرضها النفوذ الصهيوني في الغرب خلال ربع القرن الماضي، فقد استطاع هذا النفوذ ادخال مصطلح معاداة السامية لوصم من يعارض السياسات الاسرائيلية او يساند قضية الفلسطينيين، وتزامن مع ذلك المصطلح منع مناقشة مقولة الهولوكوست، واعتبار من يشكك في الرواية المعتمدة اسرائيليا بشأنها ليس معاديا للسامية فحسب، بل مخالفا للقانون. وتطور العمل وفق مقتضي هذه السياسة حتي بلغ الامر مستوي خطيرا، بحيث اصبح من يعارض سياسات الحكومة الاسرائيلية في مجالات الاستيطان والقمع والتوسع والاحتلال، يعتبر معاديا للسامية. ونشط اللوبي الصهيوني في الاعوام الاخيرة، مستغلا تفجيرات 11 سبتمبر التي شجبها عموم العرب والمسلمين، مستفيدا من بعض الممارسات المتطرفة التي يمارسها البعض بعنوان مقاومة الاحتلال الامريكي للعراق، بل ربما كانت الاستخبارات الاسرائيلية ضالعة في بعضها. وقد استغل اللوبي الصهيوني هذا الامر ليوسع الدائرة وليفرض علي العالم رفض اعمال المقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي استطاع فيه محاصرة اي عمل سياسي يهدف لحل سلمي للمشكلة الفلسطينية. ومن خلال التصريحات والفتاوي التي اطلقت في الاعوام الاخيرة بشأن نشاط المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، تبلور موقف عربي - اسلامي عام يتردد في شجب اعمال المقاومة الفلسطينية بما في ذلك الاعمال التي يستعمل فيها المقاوم الفلسطيني حياته لتفجير اهداف اسرائيلية. وانطلق التشكيك في مواقف الشيخ يوسف القرضاوي علي خلفية مواقفه التي لم تسحب البعد الشرعي عن الاعمال الانتحارية او الاستشهادية في فلسطين. مع ذلك فهناك ادراك بريطاني بان القرضاوي يمثل تيارا اسلاميا واسعا يتسم بالكثير من الاعتدال ويبتعد عن التطرف، وله مواقفه الواضحة تجاه الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. في الوقت نفسه هناك ادراك في الاوساط الاسلامية عموما بتلاشي دائرة الحريات في العواصم الغربية بحجة مكافحة الارهاب، والتضييق المستمر علي النشطاء الاسلاميين. فمثلا في المؤتمر الذي عقد يوم الاحد الماضي في لندن للاعلان عن تأسيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، اعتذر الدكتور طه جابر العلواني، رئيس المعهد العالمي للدراسات الاسلامية في واشنطن عن الحضور لان هناك اربع قضايا قضاية مرفوعة ضده، من بينها قضية تتهمه بـ صداقة الشيخ يوسف القرضاوي الذي يدعم الارهاب بدعمه العمليات الانتحارية في فلسطين . وهذه صورة اخري لتداعي القيم التي قام عليها المجتمع الغربي والتي كان يسعي لتصديرها للعالم.

المجلس الاسلامي المذكور تأسس علي خلفية الحملة الشرسة ضد التوجه الاسلامي عموما، ويتوقع ان يتعرض لحملات تشويش متواصلة من اللوبي الصهيوني الذي يعتقد ان وجود واجهات اسلامية معتدلة قد يضعف تأثيره علي الدوائر السياسية الغربية. فهناك مواقف اسلامية مشتركة لا تسمح بالصمت علي الاحتلال الاسرائيلي، واتحاد علماء المسلمين لا يمكن ان يصمت علي الاحتلال، او يقره، وبالتالي فمن المتوقع ان يتواصل التحريض الصهيوني ضد المجلس لدي الحكومات والسلطات الغربية عموما. ولا يستبعد ان ينجح اللوبي الصهيوني في اقناع السلطات الامريكية لاحقا بادراج المجلس علي لائحة المنظمات الارهابية. ولشدة الضغط ضد تأسيس المجلس، اضطر الشيخ القرضاوي لكتابة كلمته بدلا من القائها ارتجاليا، برغم ان قراءة الكلمة المكتوبة مزعجة جدا لي حسب ما قاله القرضاوي، الا انه فضل قطع الطريق علي اللوبي الصهيوني الذي يقوم بتسجيل كل كلمة ينطلق بها العلماء في اي مكان، والتحريض ضدهم بعد تحريفها. انها مشكلة متواصلة يتوقع ان تضغط كثيرا علي العلاقات بين المسلمين والحكومات الغربية عموما. وقد بدأ المسلمون يشعرون بان الوضع يضيق بهم، وان القيم التي قام عليها المجتمع الغربي مثل التحمل واحترام الرأي الآخر، والسماح بحرية الرأي، وترويج قيم الديمقراطية والعدالة وحقوق الانسان، تلك المباديء اصبحت موضع شك لدي الكثيرين، وادت الي حالة من عدم الاطمئنان للنوايا الغربية، فهل ترويج الولايات المتحدة للاصلاح السياسي عنوان انساني ام سياسي؟ وهل انطلق علي اساس الرغبة في اقامة قدر من الديمقراطية في بلدان العالم الاسلامي، ام انه غطاء للمزيد من التدخل والسعي لمحاصرة القوي الاسلامية المعتدلة ومنع اي ضغط عربي علي السياسات الاسرائيلية؟

ان من المتوقع ان تزداد الحملة ضد المسلمين في الغرب، خصوصا في ضوء التطورين الكبيرين الاسبوع الماضي: البدء بفتح الملف النووي الاسرائيلي الذي يعتبر من عوامل تهديد امن الشرق الاوسط، وصدور قرار محكمة العدل الدولية التي اعتبرت ان بناء الجدار العازل في فلسطين مرفوض قانونا، وان علي اسرائيل ازالته. وقبيل ان تبدأ الضغوط علي قوات الاحتلال الاسرائيلية، بادر اللوبي الصهيوني لاستهداف العناصر الاسلامية المعتدلة التي يمكن ان تؤثر، اذا استطاعت لملمة شملها وطرح خطاب معتدل وعقلاني، علي سياسات بعض حكومات الدول الغربية تجاه الاسلام وفلسطين.

ان من مصلحة الغرب ان تسود الرغبة في التعايش السلمي بين الشعوب والثقافات والحضارات، وهذا لا يتحقق الا ضمن ثقافة قادرة علي تحمل الآخر بعد الاعتراف به وبحقوقه المشروعة طبقا للقانون الدولي، وهذا التآلف يبدو غير ممكن في ظل التأجيج الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في دوائر القرار الغربية، كما فعل الاسبوع الماضي مع الشيخ القرضاوي.