شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
اعرف نفسك أولا .. قبل كل شيء   طباعة  البريد الاكتروني
Sunday, 18 July 2004
 

كتب: الكهف

المنبر الإسلامي و الفكري

المرتبة الأولى للإنسان هي المرتبة التي خلق عليها الإنسان من غير إرادة منه ولا اختيار.. وهي المرتبة التي وصل إليها الإنسان بعد أن كان نطفة ثم مضغة ثم علقة ثم جنينا ثم طفلا مولودا... وهكذا وُجِدَ الإنسان من غير سعي منه لوجوده!..

وفجأة رأى الإنسان نفسه في عالم الوجود!!.. في عالم الضياء والنور!!.. بعد أن كان منغمسا في ظلمات العدم..

إنّ هذا المولود قبل سنة واحدة فقط لم يكن شيئا مذكورا.. وفجأة أصبح مذكورا ومحاطا بالرعاية والعناية والرحمة واللطف والحب من كل جانب!!...

هذه بداية وجود الإنسان.. إنها غير اختيارية.. ولم يكن بيده تحديد هويته وتحديد شكله وتحديد قدراته وتحديد ميوله الأولية الفطرية... ولم يكن بيده أي شيء!!..

رأينا أنفسنا متمتعين بسمع وبصر وعلم وحب وبغض وبأشياء كثيرة تمتعنا بها من غير أن يكون لنا أي دور في تكوينها...

إنها المرتبة الأولى لوجود الإنسان........... ولنُسَمًها المرحلة اللاإرادية للإنسان...

إذن هناك إنسانية تكوينية وهي بمثابة رأس مال غير مكتسب يبدأ به الإنسان تجارته.. وكل ما مرّ كان بيانا لهذا الأمر..

وهنا نبدأ بنقطة جديدة وهي أنّ الإنسان عليه أن يسعى للحصول على الإنسانية الاختيارية!.. وهي عبارة عن الهدف النهائي من وجود الإنسان.. والمرحلة الأخيرة التي يصل إليها الإنسان في مشوار كمالاته.. وهي الفصل الأخير من كمالات الإنسان..

وهذه الكمالات الإنسانية الاختيارية ليست كمالات تكوينية يجد الإنسان نفسه أنه متمتع بها كالبصر والسمع والإحساس والحركة وما شابه... كلا.. فهي كمالات لا بد للإنسان أن يسعى لها بقدمه وسعيه وإرادته.. كما في الآية المباركة (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)..

هنا في عالم الدنيا هناك أشياء كثيرة حصل عليها الإنسان من غير سعي.. ووجد نفسه ملأى بالنعم التكوينية.. ولكن في عالم الآخرة لن يكون للإنسان إلا ما سعى إليه وحصّله بإرادته..سواء كان خيرا أم شرا.. كما هو مفاد الآية المباركة المتقدمة..

ومن كمالات الإنسان الاختيارية التي يجب عليه السعي نحوها.. العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن.. وهذه محاور ثلاثة تمثل العلم الحق والقلب الحي وجمال الظاهر.. ولكمالات الإنسان مراتب أخرى غير هذه..

يبدأ الإنسان من غير علم حق ولا قلب متلألئ بأنوار الهدى.. ومن غير سلوك حسن.. ولكنه يملك القابلية لسلوك هذا الطريق.. والوصول إلى كمالاته اللائقة به..

والطريق التكاملي الاختياري من نقطة الابتداء وهي الإنسانية التكوينية وهي المحطة الأولى لوجود الإنسان القابل للكمالات.. إلى نقطة النهاية وهي الإنسانية الاختيارية وبلوغ مقام الإنسان الكامل.. هذا الطريق من نقطة الابتداء إلى نقطة الانتهاء يسمى بالصراط المستقيم للإنسان..

فالصراط المستقيم لكل موجود يبدأ مشواره من النقص إلى الكمال هو عين الطريق من ابتداء سلوك الكمال إلى نهاية بلوغ كل الكمالات اللائقة به...

ولذا يختلف الصراط المستقيم للمخلوقات المتكاملة.. فبذرة التفاح مثلا صراطها المستقيم يبدأ من شروعها بالتكامل إلى نهاية بلوغها شجرة تفاح مثمرة... وهكذا لكل شيء من شأنه التكامل يكون صراطه المستقيم مبتدئا من أول نقطة للكمال ومنتهيا بآخر نقطة للكمال..

غاية ما في الأمر أنّ بذرة التفاحة مثلا غير مخيرة لأن تسير في طريق يوصلها إلى أن تكون شجرة برتقال مثلا.. لأنّ طريق كمالها مشخّص لا يتغير...

بينما الإنسان.. يختلف.. فهو بإمكانه أن يتكامل تكاملا حيوانيا بهيميا أي من جهة الشهوة.. أو تكاملا حيوانيا سبعيا أي من جهة الغضب.. أو تكاملا خياليا شيطانيا أي من جهة الأوهام الشيطانية.. أو تكاملا إنسانيا ملائكيا أي من جهة العقل... وبإمكان الإنسان أن يتكامل في الجهة الشهوة والغضب والوهم دفعة واحدة على حساب العقل..

عرفنا أنّ على الإنسان أن يتكامل في إنسانيته.. ولكن ما هي إنسانية الإنسان؟!!.. وكيف نتعرف عليها؟!!.. وما هي حدودها؟؟!!..

البعض من الناس وهم كثيرون يرون أن الموسيقى والرقص والطرب والفن والتمثيل والأزياء وما شابه ذلك كله يدخل ضمن دائرة كمالات الإنسان.. فدائرة كمالات الإنسان في نظرهم واسعة وأصحاب هذه الفنون يرون أنفسهم قد تكاملوا في الإنسانية وبلغوا قصب السبق فيها..

ولكن مما لا شك فيه عند الإسلام أنّ بعض هذه الفنون تشكّل نقصا فادحا لإنسانية الإنسان وتلقي به بعيدا عن حاشية الصراط المستقيم الإنساني...

والسؤال هنا كيف نميّز تمييزا عقليا بين الأشياء التي تعد كمالات حقيقية للإنسان وبين الأشياء التي تعتبر كمالات زائفة للإنسان.. يحسب ويتوهم أنها كمال ولكنها نقص ووبال على إنسانيته؟؟!!!....

 

وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي علينا أن نتعرف على فطرة الإنسان ونحددها تحديدا واضحا يميزها عن غيرها من صفات الحيوان والنبات والجماد... وذلك لأنّ التكامل الإنساني في خط الفطرة فقط يكون تكاملا إنسانيا حقيقيا... وأما إذا كان تكاملا في خط الحيوان مثلا فليس تكاملا بشريا بل هو تكامل حيواني لا إنساني..

 

بيان الفطرة..

من الواضح للمطلعين على علوم القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام أنّ الفطرة محط اهتمام قرآني وروائي وديني.. إلى درجة أنّ الله عز وجل يوكل الدين القيم كله بحذافيره إلى الفطرة في قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة الروم|30..

فما هي هذه الفطرة؟؟...

الجواب:

لا يخفى على أحد أن الإنسان يمتلك عدة أبعاد مختلفة.. إنه مركب من أبعاد وليس بسيطا ذا بعد واحد.. فهو مركب من البعد الجسمي الجمادي والبعد النباتي والبعد الحيواني والبعد الإنساني.. كيف ذلك؟؟!!..

فإننا نجد أنّ لدى الإنسان جسمية وصفات الجسم كالامتداد في الاتجاهات الثلاثة والحاجة إلى المكان والتحيّز.. ولكن الإنسان ليس مساويا للجسم بل يتميز عن الأجسام بصفات خارجة عن إطار الجسم... كالحس والحركة والإدراك مثلا..

وكذلك نجد لدى الإنسان كمالات نباتية!.. من قبيل نمو الجسم فجسم الإنسان ينمو كما هو الحال لدى أجسام النبات.. فنمو جسم الإنسان هو جانب نباتي.. ولكن يبقى أنّ الإنسان أيضا ليس مساويا للنبات وأنّ لديه كمالات أرفع من النبات.. كالحس والحركة والإدراك مثلا..

وكذلك نجد لدى الإنسان كمالات حيوانية.. من قبيل الحس والحركة الإرادية والإدراك لما حوله.. والميل نحو الطعام والشراب والجنس.. والخوف من الخطر.. وما شابه مما يشترك به الإنسان مع الحيوان.. ولكن هل الإنسان حيوان محض لا يتميز بشيء عن سائر أنواع الحيوان الأخرى.. أم أنه يرتفع بكمالاته إلى مستوى أرفع من الحيوان ويتجاوز الحيوانية كما تجاوز من قبل الجسمية والنباتية؟؟!!!...

لا أعتقد أنّ ثمة في العالم من يقول عن نفسه أنه حيوان محض أو حتى يحتمل ذلك.. ومن أفظع الشتائم أن تسب شخصا فتقول له يا حيوان!!... مع أنه لو قيل له يا جسم لكان أقل فظاعة ومضضا عند هذا الشخص!!!...

فلماذا النفور من الحيوانية!!.. وهي إحدى أبعاد الإنسان وبعض مراتبه الكمالية؟؟!!!...

 

للموضوع بقية .. يمكنك متابعة القراءة في المنبر الإسلامي و الفكري.