شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
بعد 34 عاما: التركة البريطانية ما تزال تؤرق الخليج   طباعة  البريد الاكتروني
Wednesday, 18 August 2004

د.سعيد الشهابي

القدس العربي 18/8/2004

في مثل هذه الايام قبل 34 عاما كانت القوات البريطانية تنسحب من مشيخات الخليج التي بقيت تحت حمايتها قرنا ونصفا. جاء الانسحاب في اثر قرار حكومة العمال البريطانية في مطلع 1968 بسحب جميع القوات البريطانية من المناطق الواقعة شرق السويس لاسباب اقتصادية بالدرجة الاولي. وكان قرار الانسحاب قد واجه اعتراضا من اغلب حكام تلك المشيخات بسبب الاعتماد الكلي علي تلك القوات لتوفير الحماية لفترة طويلة، وعدم وجود كيانات سياسية تمتلك الثقة بالقدرة علي ادارة شؤونها بعد رحيل البريطانيين.

فعلي مدي قرن ونصف كان البريطانيون الحكام الفعليين للساحل الجنوبي من الخليج، عبر نظام ادارة خاص مرتبط بحكومة الهند البريطانية. فكان هناك معتمدون سياسيون يمارسون دور الحاكم في المشيخات، وعلي رأسهم جميعا كان هناك المقيم السياسي المقيم في البحرين والمرتبط بمكتب الهند بالخارجية البريطانية.

قرار الانسحاب كان له وقع الصاعقة علي الحكام الذين بذلوا جهودا حثيثة لثني الحكومة البريطانية عن القرار. بل ان بعضهم عرض دفع تكاليف التواجد البريطاني كاملة في مقابل البقاء. لكن بريطانيا التي كانت تعيش الايام الاخيرة لامبراطوريتها كانت تعيش نفسية خاصة دفعتها لتقليص وجودها العسكري في العالم، خصوصا بعد ان خسرت الهند في 1947 التي كانت جوهرة التاج البريطاني . ثمة قضايا عديدة كانت تشغل بال الخليجيين والبريطانيين علي حد السواء آنذاك، منها مستقبل مشيخات الساحل المتصالح والمطالبة الايرانية بالبحرين، وأمن الخليج بعد الانسحاب. وخلال السنوات الثلاث ما بين قرار الا نسحاب وتنفيذه بذلت جهود متواصلة لاحتواء تلك القضايا، وانتهي الامر بقيام الامارات العربية المتحدة مكونة من سبع مشيخات، واستقلال قطر والبحرين كدول ذات سيادة، بعد فشل الجهود لاقناعهما بالانضمام الي الاتحاد الذي اصبح سباعيا بعد ان كان مخططا له ان يتكون من تسع مشيخات. كما ان قرار شاه ايران باحترام ارادة شعب البحرين ادي الي تدخل الامم المتحدة لاستمزاج رأي شعب البحرين ازاء مستقبله. وجاءت نتيجة ذلك الاستفتاء ان شعب البحرين يريد دولة مستقلة محكومة بنظام يمارس الديمقراطية وفق دستور تعاقدي علي غرار الكويت التي سبقت دول الخليج في الاستقلال الرسمي عن بريطانيا بعشرة اعوام.

ما هي التركة البريطانية في الخليج؟ وما آثار تلك الحقبة التاريخية علي مستوي الثقافة والسياسة وامن الخليج والاوضاع القائمة حاليا؟ بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود علي ذلك الانسحاب ما يزال الحكم بشأن الوجود البريطاني غير واضح. فمما لا شك فيه ان ذلك الوجود ادي الي استقرار نسبي في المنطقة، وقضي علي القرصنة وساهم بشكل محدود في انظمة الادارة. ولكنه في الوقت نفسه لم يهتم بتنمية المنطقة سياسيا او ثقافيا او اقتصاديا. فعلي الصعيد الاقتصادي مثلا كان لاكتشاف النفط في العقود الثلاثة قبل الانسحاب اثر في تحسين اوضاع المنطقة، ولكن لم يصاحب ذلك خطة لتطوير اقتصادي حقيقي يستثمر الايرادات النفطية الهائلة لبناء بنية تحتية قادرة علي توفير مشاريع اقتصادية موازية للنفط. كما لم يهتم بانشاء مؤسسات وانظمة تعليمية حديثة. ففي عمان والامارات وقطر مثلا لم ينشيء ذلك الوجود نظاما مدرسيا حديثا، ولم تنشأ المدارس الا بعد الانسحاب. وبسبب علاقة الوجود البريطاني مع العائلات الحاكمة، فقد كرس البريطانيون نمط الحكم القديم بدون ان يجشموا انفسهم عناء تأسيس نظام حكم حديث يطور الثقافة الديمقراطية لدي الشعوب والحكومات. بل علي العكس من ذلك واجه البريطانيون الحركات الديمقراطية في البحرين مثلا بالقوة، وانزلوا جنودهم الي الشوارع لقمع التظاهرات الشعبية المطالبة بالاصلاح السياسي، كما حدث في 1956 عندما قمعوا الحركة السياسية التي تزعمتها هيئة الاتحاد الوطني ونفوا ثلاثة من قادتها الي جزيرة سانت هيلانة بالمحيط الاطلسي، وكما حدث في 1965 عندما انزلوا قواتهم الي الشوارع لقمع الحركة الشعبية التي كانت تطالب بدستور ونظام ديمقراطي. الوجود البريطاني لم تكن له اهداف سوي الهيمنة علي المنطقة واستغلال ثرواتها. وتجدر الاشارة الي ان ذلك الوجود كان قد بدأ بهدف القضاء علي القرصنة التي كانت تهدد خطوط الملاحة بين الهند وبريطانيا، ولم يتطور ذلك الهدف برغم امتداد الفترة الطويلة التي استغرقها ذلك الوجود.

يضاف الي ذلك ان التركة البريطانية اثقلت كاهل المنطقة بقضايا مزعجة من بينها ازمات الحدود التي خلقت توترات بين العائلات الحاكمة طوال العقود اللاحقة، ولم تحل الا في السنوات الاخيرة، وما تزال تلقي بثقلها علي العلاقات بين الانظمة، ولم تحسم بشكل نهائي بعد. مشكلة الحدود هذه بقيت مصدر توتر واضطراب، واستحوذت علي شطر كبير من الجهود السياسية والمالية، حيث تحولت بمرور الوقت الي قنابل موقوتة ادت الي توتر العلاقات بين الدول، وهو توتر يختفي احيانا ويظهر اخري حتي الآن، وبقيت قضية الحدود تؤرق المسؤولين وتفرض نفسها علي اجتماعاتهم وقممهم لتؤثر سلبا علي سير المباحثات، وحالت دون قيام وحدة حقيقية بين الدول الفتية. وعندما احيل بعض هذه القضايا الي القضاء الدولي كانت الوثائق البريطانية هي المرجع الاساس لطرح المشكلة امام القضاة بتفسيرات متباينة، وأصبحت قرارات المعتمدين السياسيين البريطانيين او المقيمين السياسيين هي المرجع لتحديد الحدود. وبقيت تلك المشاكل الحدودية تعصف بالمنطقة وادت الي مناوشات حدودية في حالات عديدة (حادثة الصامتة بين العراق والكويت في 1973، والتوتر العسكري بين البحرين وقطر بمنطقة فشت الديبل في 1986، والمناوشات بين القوات السعودية والقطرية عند مركز الخفوس الحدودي بين البلدين). البريطانيون لم يكونوا متحمسين للتعاطي مع الشؤون المحلية الا بقدر ما ترتبط تلك الشؤون بمصالحهم، فكانت هناك انانية واضحة في تعاطي المسؤولين البريطانيين مع الوضع عموما. وبالرجوع الي الوثائق البريطانية خلال نصف القرن الاخير قبل انسحابهم يمكن اكتشاف مدي تدخلهم في الشؤون المحلية وارتباطهم بما يجري يوما بيوم، ودور المعتمدين والمستشارين في اتخاذ القرارات حتي في اصغر القضايا واقلها اهمية. ومع ان تلك الممارسة تركت شيئا من النظام الاداري الحديث في بعض البلدان الخليجية، لكنها لم تؤد الي تحديث الحياة عموما، خصوصا في جوانبها التعليمية والسياسية. وكادت قضايا الحدود تعصف حتي بالتبادل الثقافي بين مشيخات الخليج، لولا اصرار مواطنيها علي اختراق الحدود والتواصل مع اخوتهم في الدول الخليجية الاخري.

وقد وجدت دول الخليج نفسها امام تحديات امن الخليج ومقتضياته بعد فترة وجيزة من الانسحاب البريطاني. ففي غضون عشرة اعوام وجد حكام الخليج انفسهم امام تحديات سياسية داخلية وخارجية خصوصا بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران واندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية، فبدأوا يفكرون، للمرة الاولي، في تشكيل كيان يلم شملهم لمواجهة التحديات الامنية الجديدة. الامريكيون رعوا تلك المبادرة لانهم احتلوا مكان البريطانيين في المنطقة ودخلوا في اتفاقات عسكرية مع اغلب حكامها، وبنوا قواعد عملاقة مكان القواعد البريطانية. وشجعوا علي قيام مجلس التعاون الخليجي في 1981 بعد ان اصبحت المنطقة في حالة توتر شديد بسبب ما جري في ايران بشكل اساسي، وادراكهم ان اوضاعهم لن تكون مستقرة في غياب الرغبة في طرح مشاريع سياسية اصلاحية تتناغم مع تطلعات الاجيال الجديدة. فالتعليم الذي انتشر في السبعينات في دول الخليج كان طفرة نوعية ساهمت في صياغة ذهنية المواطن الخليجي بعد عقود من التجهيل خلال الحقبة الاستعمارية. وهنا لاح التناقض بين منظومة الحكم التقليدية التي لم يطرأ عليها تغيير منذ عقود (وفي بعض الحالات منذ قرون) والتطور التعليمي الذي ادي الي نمو شرائح مجتمعية اكثر انفتاحا ورغبة في التطور. وقد ساهمت الطفرة النفطية في ذلك، حيث استطاعت دول الخليج انشاء الجامعات الحديثة وارسال البعثات الي الجامعات الغربية، واقامت مؤسساتها الاعلامية الحديثة، واستطاع مواطنوها السفر الي الخارج والاحتكاك بالشعوب الاخري وثقافاتها واطلعوا علي انماط الممارسة السياسية في تلك البلدان. وبدت التركة البريطانية الثقيلة ليست عاجزة عن مسايرة هذه التطورات فحسب، بل معوقة للتطور في كثير من الاحيان. وتجدر الاشارة الي ان الانسحاب البريطاني العسكري من الخليج خلف وراءه جيشا من الخبراء في اغلب المجالات، وهو جيش يسعي للحفاظ علي النفوذ البريطاني في المنطقة، ومن هؤلاء الخبراء ضباط كبار وضعوا خبراتهم وتجاربهم لخدمة الحكومات في مواجهة المجموعات المعارضة، وبقيت اجهزة الامن، حتي الآن، تدار بشكل او آخر من قبل خبراء الامن البريطانيين، الذين مارسوا، في بعض الحالات كما هو الحال في البحرين، التعذيب بحق المعتقلين السياسيين. وبقيت الحكومة البريطانية تشعر بمسؤولية اخلاقية لحفظ نظام تلك الحكومات ومنع تعرضها للخطر من قبل المعارضين المطالبين بالاصلاحات السياسية.

وبالرغم من مرور اكثر من ثلاثة عقود علي الانسحاب البريطاني من الخليج، ما تزال بريطانيا لاعبا كبيرا في سياسات المنطقة، ولم يكن مستغربا ان تخوض الحرب مع امريكا في العراق، لانها لا تريد الاكتفاء بدور المتفرج علي ما يجري في منطقة كانت تحظي فيها بحصة الاسد من حيث الحضور السياسي والامني والعسكري والاقتصادي. وقد دخلت بريطانيا الحرب برغم عدم اقتناع حكومتها بشرعية تلك الحرب، ويؤكد عدم وجود الاقتناع بشرعيتها مواقف وزراء مثل روبين كوك وكلير شورت، وهم في اعلي مناصب الدولة. وما يزال النقاش محتدما في اوساط السياسيين والمثقفين البريطانيين حول مدي واقعية الموقف البريطاني الداعم لامريكا، اذ ما تزال هناك قناعات لدي بعض القطاعات بامكان استعادة جزء من الدور التاريخي الذي تضاءل في العقود الاخيرة لصالح الولايات المتحدة، بينما يعتقد الاكثر عقلانية بان هذا التوجه له مخاطره لانه يصطدم بحالة التطور التي تجتاح العالم والحركة الثقافية والسياسية لشعوب العالم الثالث، وان من الضروري التخلي عن العمل السياسي والعسكري المنفصل عن الاجماع الدولي. بريطانيا بقيت اكثر من قرنين حاضرة في الميدان الدولي كقوة استعمارية استطاعت اقامة واحدة من اكبر الامبراطوريات في تاريخ العالم، ولكن هذا العالم لم يعد قادرا علي استيعاب ممارسات من هذا النوع، وبالتالي فمن الاجدر ببريطانيا ان تبحث عن دور فاعل علي الصعيد الدولي من خلال الامم المتحدة. فاذا كان هناك من يقظة جديدة لدي الساسة البريطانيين بضرورة تفادي تكرار تجربة الاستعمار والهيمنة علي الشعوب، فسوف يكون ذلك تطورا ايجابيا يخدم بريطانيا ومصالحها اولا ويجنب الدول الاخري شرور التدخلات العسكرية غير الشرعية، وما ينجم عنها من كوارث انسانــية واقتصادية.

وبرغم انتهاء الامبراطورية، ما تزال بريطانيا تواجه تبعاتها بدون انقطاع تقريبا. فهي في مواجهة سياسية مع زيمبابوي بسبب توتر العلاقات بين الاقلية البيضاء والاغلبية السوداء حول الاراضي والممتلكات التي تعود للعهد الاستعماري، وعلاقاتها مع باكستان ليست علي ما يرام. الخليج من جانبه، ما يزال يعيش آثار التركة البريطانية في جوانبها السلبية خصوصا علي صعيد الامن وانماط الحكم والعلاقات العربية ـ الغربية عموما. لقد كانت تجربة مرة برغم ايجابياتها، والامل ان تستطيع شعوب الخليج النهوض مجددا في المجال السياسي لاقامة انظمة سياسية فيها شيء من الممارسة الديمقراطية والمشاركة الشعبية. وتؤكد الازمات السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة منذ الانسحاب البريطاني ضرورة اعتماد دول الخليج علي نفسها في مجالات الامن والاقتصاد والعلاقات الدولية، وذلك بتقوية منظومة مجلس التعاون من خلال اشراك المواطنين في عمله، وتمتين الروابط بين الشعوب سيرا نحو اقامة وحدة عملية في ما بينها، وعدم الاقتصار علي اداء المجلس الذي لم يستطع تحقيق الكثير برغم مرور اكثر من عشرين عاما علي قيامه. لقد انتهي عهد الاستعمار (نظريا)، وبقي علي المسؤولين العمل لتحقيق الاستقلال عمليا، وهذا الاستقلال لا يتحقق الا بالتضامن الفعلي بين الحكومات والشعوب، وهو التضامن الذي لم يكن قائما خلال فترة الحماية البريطانية. ان الاعتماد علي القدرات الذاتية هو الطريق الاقصر لتحقيق الامن والاستقرار والرخاء.