شبكة الدراز الشاملة . نت 

 
من القاهرة إلى لشبونة و بينهما السيستاني   طباعة  البريد الاكتروني
Monday, 06 September 2004

محمد طاهر العصفور

يقول أستاذنا الدكتور الطاهر أحمد مكي أستاذ الأدب العربي في كلية دار العلوم  - جامعة القاهرة انه كان له صديق مستشرق من البرتغال وقد ترجم القرآن الكريم الى اللغة البرتغالية وأخرجه في طبعة فاخرة لكن هذه الترجمة لم تلق رواجا ولكن ما ان أتت ثورة إيران  الإسلامية وحققت كثيرا من أهدافها حتى حركت المياه الراكدة فأذهلت العالم لكونها ثورة تتخذ الدين منهجا لها وتحقق هذا النجاح في ظل نظام عالمي علماني

واستطاعت بهذه الروح الإسلامية أن تتغلب على  الحكم الامبريالي القائم في إيران حتى  وظل الناس يبتاعون من تلك الترجمة حتى نفقت واضطر المستشرق  الذي كان يندب حظه الى طباعة ترجمته مرة أخرى  وكانت ثورة إيران الإسلامية سببا لانفتاح العالم على الإسلام مجددا وسببا لغنى ذلك المستشرق البرتغالي.

أما الحادثة الأخرى فلقد عاصرتها بنفسي واذكر اول ما ذهبت للدراسة في القاهرة كان زملائي الطلاب حين يعرفون باني من المسلمين الشيعة يذهلون والبعض منهم يمتعض والاخر يقدم النصح مشفقا على من الكفر الذي انا فيه حيث اول ما يتبادر الى ذهني اني من القائلين بنزول الوحي خطا على النبي محمد صلى الله عليه واله – وحاشا لله ذلك- وكان من المفترض ان ينزل على الامام على سلام الله عليه ولكني ابادر بان اصحح لهم الا ان البعض لايصدق ويعزو ذلك الى ان الشيعة يأخذون بالتقية  مع اني اخبرهم باننا اخوان ولا يوجد سبب يجعلني اتقيهم حيث انهم زملائي وأحبتي وأصدقائي وجالستهم وخالطتهم فما وجدت فيهم الا الطيبة وحسن الخلق واكاد اعتقد جازما انهم لم يروا مني الا ما استحسنوه في انفسهم لكنهم على أية حال كانو يتصورون ان مذهب التشيع ان هو الا محض خيال شعبي ومخلفات سياسة ليس هناك ما يسنده من اثار علمية وموضوعية باسثناء النخبة المشتغلين في الدرس العقدي والفلسفي فانهم يعرفون الى أي مدى قد قدم الشيعة ابحاثا وخدمات للعلم والفكر لكن السواد الاعظم يرون ان مايقوم به الشيعة في ايام عاشوراء ليس الا سبيلا من سبل جلد النفس وان البكاء الذي نمارسه في ايام عاشوراء هو تأنيب للضمير حيث ان الشيعة خذلوا الحسين ولكنهم لا يفهمون أن الحسين لدينا عبرة وعبرة وان ما نقوم به هو شعائر نؤمن بالاثابة عليها ومظهر من مظاهر العشق لأهل البيت وتدور الأيام وتشن الولايات المتحدة هجومها الكاسح على العراق وينهار النظام في بغداد وتشيع الفوضى  ويبرز دور المرجعية في النجف الاشرف وتقصد الوفود منزل اية الله العظمى السيد السستاني ويتعجب الآخرون  من هذا الذي يقبع في بيت بسيط يراقب الاحداث ويرصدها عن كثب يلتقي بوفود الفعاليات السياسية من إسلاميين وعلمانيين ويلتقي مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي  ويحاول بول بريمر مرات ان يزور هذه الشخصية ولكن السستاني يتابى ويرفض لقاءه –ويذكرني هذا بمقولة نقلها الاجداد لنا للشيخ خلف العصفور حين اراد ان يدخل عليه المعتمد البريطاني مجلسه واذا بالشيخ يبادر قائلا لاتطأ برجلك بساط جعفر بن محمد الصادق-

على كل هذه الشخصية شخصية السسيد السستاني أثارت الجدل  على أشده بين حتى نخبة المثقفين حتى اني كنت اتجاذب اطراف الحديث مع الدكتور سليمان العطار الأستاذ في كلية الاداب جامعة القاهرة وكان يبدي استغرابه من هذه الشخصية التي تعمل بشكل فاعل وبقوة دون ان ترى   ويتساءل كيف له ان يملك زمام الأمور  ويحكم أموره أحكاما  ، ولقد اخبرني احد الاصدقاء ان احدهم كان يشكك في وجود هذه الشخصية أساسا وان هي الا وهم ولكن صديقنا رد عليه قائلا ان هذه المرجعية ليست وهما وان وكلاءها حاضرون وتلاميذها معروفون والسيد يلتقي بتلامذته ويلقي عليهم البحث الخارج  وهو أرقى درس في الحوزة العلمية  كل هذه التساؤلات كان مصدرها التعجب من القوة التي تنماز به الحوزة والعقلية الحكيمة التي تدير بها الامور وكان هذا ملمحا بارزا يبين ان المسلمين الشيعة ليسوا ارتجاليين وليسوا رعيا بلا راع وانما هم ينطلقون من ثوابت عقدية  تلزمهم ان يتقيدوا بها والا يخرجوا عليها وان لهم كبيرا هو المرجع العلى وهو الذي يسيطر على الامور وان مصدر الفتوى او اصدار الفتوى لايكون مفتوحا لمن  يريد ان يمارسه بل ان هناك اليات تضبطه وتحصر صلاحياته في اشخاص محدودين اجتازوا المراحل التي تهيئهم ان يكونوا مجتهدين فقهاء وان ممارستهم لدور الفتوى حتى بالنسبة لهم لا يكون الا في امس الحاجة واخر ورقة يستخدمها الفقيه هي الفتوى لما تنماز به من خطورة ودقة هذه الحيثيات  التي عرفها الجمهور الذي كان مغيبا عن هذه الحقائق وكانت هذه الحقائق مغيبة عنه  اصبحت في عينه مكان اكبار واجلال  لهذه الحوزة التي تستطيع ان تمارس دورها بشكل دقيق ومنتظم هذا من جانب كما ان الحرب على النجف اظهرت للعالم  مكانة النجف في قلوب المسلمين  بوصفها مدينة مقدسة لا يمكن تجاوزها وان المسلمين يقدمون ارواحهم دفاعا عن هذه المدينة  الشريفة وكانت بمثابة انذار الى الأمريكان بان السكوت له حد عند المسلمين وان تدنيس الأماكن المقدسة لا يمكن أن يقبله المسلم وبدا للأمريكان ان هناك خطين متوازيين لا ينفصل احدهما عن الأخر خط المد الثوري الذي يتمثل في السيد مقتدى الصدر وعنفوانه  وقوته ورباطة جأشه وحزمه وخط السيد السستاني الذي يمتاز بالأبوة والحكمة والسيطرة الحانية على مريديه وأتباعه  وبدا للعالم ان  التغني بثورة كربلاء ليس مجرد شعارات وبكاء وجلد  للنفس وان المسلمين الشيعة ليسوا متخاذلين ولا عملاء للأمريكان بل هم مثل غيرهم من إخوانهم العراقيين يأنفون من الاستعمار ويعشقون الشهادة ويحبون السلام.