منتدى شبكة الدراز الشاملة منتدى شبكة الدراز الشاملة ››› المنتديات الثقافية ››› المنبر التربوي ›››

الابتلاء:أبعاد تربوية
  الموضوع السابق   الموضوع التالي أضف ردا على هذا الموضوع
الكاتب
الموضوع   

قاهر الظَلام
عضو

تاريخ التسجيل: Dec 2007
رقم العضوية: 27219
البلد:
عدد المشاركات: 79
معدل المشاركات/يوم: 0.02

لو فتشنا حياة كل إنسان فلن نجد أحدا يخلو من بلاء بمستوى من المستويات، يلازمه لسنوات وربما على مدى عمره وقد يكون ذلك البلاء جسميا كالأمراض والإعاقات والتشوهات . . . وهذا النوع من البلاء هو الأبرز وظاهر عادة للعيان والذي ينال الاهتمام الأكبر من قبل المبتلى، وقد يكون الابتلاء نفسيا وروحيا كالاكتئاب والخوف والجبن والبخل وغير ذلك من الانحرافات النفسية والروحية،وقد يبتلى الإنسان في ماله أو في من يحب أو غير ذلك فصور البلاء كثيرة والابتلاء بأنواعه المختلفة يشكل عند الكثيرين عائقا أمام نمو الشخصية نموا طبيعيا وانسيابية الحياة بسبب خنوع وخضوع أصحاب البلاء لواقع يستصعبونه وخلقهم قناعة في نفوسهم أنهم عاجزون وأنهم قد بذلوا جهدهم وبلغوا مدى إمكانهم فيقعدون عن الكفاح من أجل الأفضل وربما يكونون ساخطين على ما نزل بهم فيستهلكون ما بقي من طاقاتهم في الانطواء والندبة ومقارنة حالهم بمن يعتقدون أنه أفضل منهم حالا وربما يورون نار الحسد في نفوسهم فيضيفون بذلك بلاءَ إلى بلائهم وصعوبة على صعوبة فتنصرم أعمارهم فيما لا ينفعهم دنيا وآخرة بل يحيق بهم خسران عظيم.

لو دقق أولئك المستكينون المستسلمون النظر لوجدوا أشخاصا يفوقونهم بلاءً لكنهم أقنعوا أنفسهم أنهم أسوياء وأنهم قادرون غير عاجزين وتكيفوا مع ما بهم من بلاء وانطلقوا في الحياة يحدوهم الأمل والإيمان وحب الحياة ففاقوا الكثيرين من المعدودين أسوياء في هذه الحياة لأنهم استثمروا المتوفر لديهم من نعم وطاقات بشكل صحيح بمقدار تمكنهم ولم يضيعوا عمرهم في البكاء على ما فاتهم من تلك النعم.

بل إن الفطنين والواعين من أهل البلاء يوظفون البلاء نفسه في تربية أنفسهم والارتقاء بأرواحهم إلى مراتب عليا ومنازل شريفة بشكر الله على ما لا يزالون يتمتعون به من نعمه وأنه لم يبتلهم بما ابتلى به غيرهم من عظيم الابتلاء، والقناعة والرضى بما قسم الله والصبر عليه واضعين في اعتبارهم أن الله إذا أحب عبدا ابتلاه وكل ذلك من أرقى وأجل وأجلى السلوك الإيماني ومؤشر صادق على سلامة العلاقة بين الرب والمربوب فالمؤمن جدير بأن يستثمر كل حال يكون فيه ليسمو بنفسه لما هو أفضل، أما السخط والشعور بالغبن والدونية وعدم الرضى فلا يعود على صاحبه إلا بالخسران والعنت والمعاناة.

ومن الأبعاد التربوية لوقوع البلاء أنه منبه ومشعر للإنسان بضعفه واستكانته وحاجته المطلقة إلى الغني المطلق وهذا بلا شك يجعل الاتصال بالخالق المبتلي في حيوية دائمة ويكبح الغطرسة والطغيان لدى النفس الإنسانية التي تميل بفطرتها إلى ذلك فيصبح صاحبها ذا شخصية متواضعة ومتزنة الانفعالات رشيدة في اتخاذا القرارات مما يترتب عليه حياة سعيدة هانئة في كل أبعادها ومتعلقاتها رغم مكابدة البلاء .

والمبتلون إذا عضوا على جراحهم وانطلقوا غير عابئين بما يُظن أنه عقبة تحول بينهم وبين أن يحيون حياة طبيعية لا يكونون قد ربوا أنفسهم وارتقوا بأنفسهم درجات تربوية مثلى فحسب، وإنما يصبحون مدارس عظيمة تقدم دروسا واقعية حيوية لا تقبل النقاش لمن تسول له نفسه العجز والفاقة والقبول بالحظ الأوكس من العيش وتأخذ بأيديهم إلى الطريق الأقوم في ممارسة الحياة، وتقوي اعتقاد أهل الوعي من المؤمنين بأن الله لا يهمل خلقا خلقه فلو أوكلالله شيئا من خلقه لغيره لما استقام لذلك الشيء الوجود والبقاء وهذا يقتضي منا التفاؤل والأمل والتوكل الحقيقي على الله وإن اشتد البلاء وتصورنا أنه لا يحتمل فيجب أن يكون إيماننا أن الله لا يكلف نفسا فوق طاقتها وخارج وسعها وأننا بعينه دائما.

من اللفتات التربوية للابتلاء أيضا والتي يجب ألا تفوتنا أنه يجعل أهل البلاء ومن يحيط بهم يزهدون في مطامع الدنيا الزائلة فمهما تحقق لأحد من متاعها فإنه معرض للنكد بحصول البلاء سواءً في أنفسهم أو فيمن يحبون وما يحبون، البلاء الذي يتلاشى معه تمام اللذة والاستمتاع، فاللذات المنغصة لا تستحق من ذوي العقول التهالك لأجلها وإفناء الأعمار في سبيل تحصيلها، فيكرسون جل جهدهم في ضمان الآخرة ومتاعها الدائم الذي لا يقارن مطلقا بمتاع الدنيا دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا وهذا يحثهم على الاستقامة على درب الحق وهو مكسب لا يفَوِته ذو لب راجح ونتيجة تربوية قل ما تتحقق لطالبيها.

كما يجدر بالذين يعايشون أهل البلاء ألا يغفلوا ولا يتغافلوا عن العبرة التربوية العملية الحية الماثلة لهم ليشكروا الله على أن لم يبتلهم بما ابتلى به غيرهم من عظيم البلاء، ولا تأخذهم العزة الطاغية بالعافية والمعافة وكأنما يقولون إنما أوتيته على علم عندي فينسون المنعم عليهم وما يجب عليهم تجاهه من الشكر والعرفان والامتنان والإخلاص له، فلا يأمنوا بطش الله ومكره واستدراجه وتقلب الأحوال وأن ما حل بغيرهم قابل أن يحل بهم، وشكر النعمة يديمها بل يزيد فيها وهو عقالها كما ورد عن أمير المؤمنين –عليه السلام-.

إن وجود أصحاب البلاء في محيطهم يشكل اختبارا مربيا لذلك المحيط حيث يتطلب من المحيطين العون والمساعدة والمواساة للمبتلى وهذا ينمي قيمة عظيمة من القيم الإسلامية الإنسانية ألا وهي التعاون وحب الخير للآخرين فإن تحقق ذلك فهو مؤشر صادق على الإيمان إذا لم تشبه شائبة من تملق أو رياء أو طمع في مصلحة، فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

وختاما كانت تلك بعض إشارات تربوية خطرت لي كثيرا ما تكون مغفولا عنها قمت بتسطيرها رغبا في إفادة الإخوة القراء المحترمين فلعلي أنبه غافلا أو أذكر ناسيا أو أعلم جاهلا رغبة في الصلاح والإصلاح وطمعا في ثواب الله وأجره، فلا تنسوني من صالح دعائكم فلست أنساكم أخوتي المؤمنين أصلحني الله وإياكم.

اللهم اجعلنا من أولي البصائر والأبصار ونبهنا من نومة الغافلين، واجعلنا من المعتبرين الذاكرين الشاكرين.

أخبر المشرف عن هذا الرد | مشاهدة ip

قاهر الظَلام غير متصل
Old Post 27-02-2010 01:57 PM
اضغط هنا لرؤية هوية العضو  قاهر الظَلام اضغط هنا لارسال رسالة خاصة الى العضو قاهر الظَلام تفضل بزيارة صفحة  قاهر الظَلام شاهد مشاركات العضو  قاهر الظَلام أضف  قاهر الظَلام لقائمة الأصدقاء تحرير/حذف رسالة رد بإقتباس
توقيت المنتدى بتوقيت جرينتش . الساعة الآن 09:25 PM.   
  الموضوع السابق   الموضوع التالي أضف ردا على هذا الموضوع
شاهد صفحة الطباعة | أرسل هذه الصفحة بالبريد | الاعلام البريدي في حالة وجود رد جديد

الانتقال السريع :
 

قوانين المنتدى :
notتستطيع كتابة موضوع جديد
notتستطيع كتابة رد جديد
not تستطيع إرسال مرفقات جديدة
not تستطيع تعديل مشاركتك
HTML شفرات :معطلة
vB شفرات : مفعلة
الابتسامات : مفعلة
شفرات الصور : مفعلة
 

< راسلنا - منتدى شبكة الدراز الشاملة >

Powered by: vBulletin Version 2.2.9
Copyright ©2000, 2001, Jelsoft Enterprises Limited.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدراز الشاملة