منتدى شبكة الدراز الشاملة منتدى شبكة الدراز الشاملة ››› المنتديات العامة ››› المنبر الإسلامي والفكري ›››

الأبعاد المعنوية للحج
  الموضوع السابق   الموضوع التالي أضف ردا على هذا الموضوع
الكاتب
الموضوع   

الريفي
عضو عتيق

تاريخ التسجيل: Jun 2009
رقم العضوية: 30666
البلد:
عدد المشاركات: 3005
معدل المشاركات/يوم: 1.04

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآله محمد الطيبين الطاهرين


قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ, لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ**.


إنّ الحج من العبادات المهمّة وذات الأبعاد المختلفة التي يجدها الحاج ويلمسها بسهولة, فله أبعاد مادية, وأبعاد معنوية, وأبعاد دينية, وأبعاد دنيوية,
ولذلك عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) فإنّ كلّ هذه الأبعاد تعدّ منافع للإنسان,
وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من أراد دنيا وآخرة، فَلْيَؤُمَّ هذا البيت، ما أتاه عبد فسأل الله دنياً إلّا أعطاه منها,
أو سأل آخرة إلّا ادّخر له منها، أيّها النّاس عليكم بالحجّ والعمرة فتابعوا بينهما، فإنّهما يغسلانِ الذنوبَ كما يغسلُ الماءُ الدَّرَنَ،
وينفيانِ الفقرَ كما تنفي النارُ خَبَثَ الحديدِ).

ونحن في هذه الأسطر المختصرة نريد أن نسلط الضوء على جانب من هذه الأبعاد، وهو البعد المعنوي؛ لأنّه أهم هذه الأبعاد.

ونقصد من البعد المعنوي ما يرتبط بغير الجانب المادي دنيوياً أو أخروياً, سواء من جهة القرب إلى الله تعالى،
وهو أبرز الجهات المعنوية, أو من جهة غفران الذنوب, أو من جهة حصول الثواب في الآخرة, أو من جهة حلول البركة في الدنيا,
وغير ذلك من الأمور, لاسيما ما يرتبط منها بالجانب الروحي؛
فإنّ الروح هي المحاسبة وهي المثابة وهي المعاقبة وهي القائد للإنسان في الدنيا والآخرة, وهي التي تتكامل أو تتسافل.

ومن تلك الأبعاد التي يمكن أن نلحظها ونتزود منها معنوياً في الحج مظاهر الارتباط بالله عزّ وجل، وهي كثيرة ومن جهات مختلفة, كالبعد المكاني والزماني والكيفي:

أ- البعد المكاني:

فإن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس لأجل عبادة الله تعالى,
قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ**؛
ولذلك فالحرم الشريف بجميع بقاعه مضافاً إلى أرض عرفة يمتاز بقُدسية خاصة
وطابع معنوي خاص من أزمنة تاريخية بعيدة ترتبط بجميع الأنبياء الذين اجتمعوا في هذه البقعة,
من آدم (عليه السلام) إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)
الذين علّموا أصحابهم وأتباعهم الطريقة المُثلى في الاستفادة من تواجدهم في هذه المواطن الشريفة,
وعلى الحاج أو المعتمر حينما يأتي هذه الأماكن أن يرتبط بالله الواحد الأحد وبجميع الرسالات والديانات السماوية
وينشدّ إلى الأنبياء والرسل ويتذكر سيرتهم ومواقفهم.

ومنها اغتنام الفرصة في هذه الأماكن بعمل العبادات والخيرات- خصوصاً ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)-
فإن ثواب العمل فيها مضاعف عند الله تعالى, وقد ورد عدّة أمور ترتبط بهذه البقعة المباركة, منها:

- الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن: فعن الإمام السجّاد (عليه السلام): (إنَّ تسبيحةَ بِمكّة يعدل خراج العراقين ينفق في سبيل الله).

-ختم القرآن: فعن الإمام السجّاد (عليه السلام): (من خَتَمَ القرآنَ بمكّة لم يَمُتْ حتّى يَرَى رسولَ اللهِ (ص) ويرى مَنْزِلُه في الجنّة).

- الشرب من ماء زمزم: ففي رواية الشلبيّ العظيمة: (ثمّ قال (عليه السلام) له: أَشْرَفتَ على بِئْرِ زمزمَ وشربْتَ من مائِها؟ قال: نعم،
قال: نَوَيْتَ أنّك أَشْرَفْتَ على الطّاعَةِ، وغَضَضْتَ طَرْفَك عن المعصِيةِ؟ قالَ: لا،
قال (عليه السلام): فَما أشرفْتَ عَلَيها، ولا شَرِبْتَ من مائِها).

ورُوي أنّه من ارتوى من ماء زمزم أحدث الله له به شفاء، وصرف عنه داء،
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستهدي ماء زمزم وهو بالمدينة.

- الإكثار من النظر إلى الكعبة: فعن رسول الله (ص): (أنّ النظرّ إلى الكعبةِ حبّاً لَهَا يهدِمُ الخطايا هدماً).

ب- البعد الزماني:

فإن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أن يجعل أوقاتاً معينة يستجيب فيها للعبد دعاءه ويغفر له ذنوبه,
كليلة القدر التي هي خير من ألف شهر, وليلة النصف من شعبان, وليلة الجمعة ويومها,
ومن تلك الأيام أيام الحج وبالأخص ليلة المشعر وليلة عرفة ويوم عرفة فإنها أزمنة عظيمة عند الله تعالى,
بل ورد أن من الذنوب ما لا يغفر إلا في يوم عرفة, فحري بالحاج عدم تضييع هذه الفرصة الثمينة للاستزادة منها.

ج- البعد الكيفي:

فإن الحج شُرّع بكيفية معينة وبعناية خاصّة لا نظير لها, حيث إن طابعه وواقعه بجميع كيفياته
ومظاهره وسائر جوانبه يلامس دائماً جانب الروح من عدّة جوانب, أمثال:
أ- الإحرام: سواء في جانبه الفعلي والخارجي- وهو لبس ثوبي الإحرام- الذي يمثل أمرين في آن واحد,
الأول:جانب المساواة مع سائر البشر وإذلال النفس المتكبرة على سائر الناس,
والثاني: انعكاس مشهد من مشاهد يوم القيامة, فكأنه لابس الكفن وخارج به ليلقى الله ربه سبحانه وتعالى.


أو في جانبه القولي, أي بالتلبية, والتي معناها الإجابة لنداء الله تعالى المطلق
في قوله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ**,
وعن الإمام الصادق (عليه السلام)وَأَحْرِم من كلِّ شيءٍ يَمنَعُكَ عن ذِكرِ الله ويَحْجِبُكَ عن طاعَتِهِ,
ولبِّ بِمعنى إجابَةٍ صافيةٍ زاكيةٍ للهِ عزّ وجلّفي دعوتك له متمسّكاً بعُروتِهِ الوثقى).

ونحن إذا تأملنا كيفية التلبية عند أئمتنا (عليه السلام) استشعرنا عظمتها ومغزاها,
فها هو الإمام زين العابدين (عليه السلام) في بعض الأخبار أنه إِذا أَرادَ أَنْ يُلَبّي اصفرَّ لونُه وانتفضَ ووقعَت عليهِ الرّعدَةُ،
فَإِذا لَبّى غُشِيَ عَلَيْهِ وَسَقَطَ عَنْ راحِلَتِه.


وعن ابن أبي عامر أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه،
وكاد أن يَخِرّ عن راحلته،فقلت: قل يا بن رسول الله ولابدّ لك أن تقول،
فقال (عليه السلام): (يا بْنَ أّبي عامِرٍ كَيْفَ أَجْسُرُ أَنْ أَقولَ "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ" وَأَخْشى أَنْ يَقولَ عَزَّ وَجَلَّ لي لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ).

ولذلك ورد عنه (عليه السلام): (إِذا أَحْرَمْتَ فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ وذِكْرِ اللهِ كَثيراً، وَقِلَّةِ الْكَلامِ إلّا بِخَيْرٍ،
فَإِنَّ مِنْ تَمامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يَحْفَظَ الْمَرْءُ لِسانَهُ إلّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّ الله- عَزَّ وَجَلَّ- يَقولُ: "فَمَنْ فَرَضَ عَلَيْهِنّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ).


ب- الدعاء: المعبّر عنه في الروايات بأنّه مخ العبادة؛ فإنّه المبرز الحقيقي لما في نفس الإنسان وواقعه من خلال التضرع إلى الله تعالى والخشوع إليه،
وكلما كان الدعاء ذا مغزى عالٍ كان أقوى في التذلل والخشوع والشدّ نحوه تعالى,
أمثال دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) ودعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) في عرفة وغيرهما,
فإنّ هذين الدُعاءين من أبرز أدعية أهل البيت (ع) عمقاً معرفياً وتوجيهاً تربوياً وسلوكاً عرفانياً وأسلوباً
مؤثراً يجذبك نحو الله تبارك وتعالى ويُخرجك من عالم الماديات إلى عالم المعنويات.


ج- الطواف: والذي يعني أنّ الإنسان لا يدور في وجوده، وحركته إلّا وفق إرادة الله ورِضاه،
وأن يكون طوافه حول الكعبة التي ترمز إلى الحضرة الربوبيّة بقلبه لا بجسده، متشبِّهاً بالملائكة الذين يطوفون بإزاء العرش حول البيت المعمور،
كأنّه يعاهد الله أن يكون كالملائكة التي عبّر عنهمالله بقوله: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ**؛
ولذلك ورد عن الإمام الصادق (عله السلام): (وَطُفْ بِقَلْبِكَ مَعَ الْمَلائِكَةِ حَوْلَ الْعَرْشِ، كَطَوافِكَ مَعَ الْمُسْلِمينَ بِنَفْسِكَ حَوْلَ الْبَيْتِ).


ويمكن القول أن الطواف يمثل عدّة أمور:

-رمز الوحدانية لله تعالى, فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (... وَأَنَّ الكعبةَ بيتٌ للتوحيدِ، بُنِيَ بأيدي أنبياءِ اللهِ العظامِ لِلْمُوَحِّدينَ
مِنْ أهلِ الأرضِ، وَلا يسبقُهِ بهذا القِدَمِ أيُّ معبدٍ آخرَ).


- مكان لقيام النّاس: قال تعالى: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ**، وسئل أبو عبد الله عن الآية فقال: (جَعَلَها اللهُ لِدينِهِمْ وَمَعايِشِهِمْ),
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يزالُ الدّينُ قائِماً ما قامَتِ الْكَعْبَةُ).


- مكانٌ لكتابة الحسنات ومَحْو السيئات: فعن الإمام الصادق (عليه السلام):
(مَنْ نَظَرَ إِلى الْكَعْبَةِ لَمْ يَزَلْ يُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ وَيُمْحَى عَنْهُ سَيِّئَةٌ حَتَّى يَصْرِفَ بِبَصَرِهِ).


- مكان لاختبار النّاس: فعن الإمام عليِّ (عليه السلام): (ألّا تَرَوْنَ اللهَ سُبْحانَهَ اخْتَبَرَ الأَوّلينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَالآخِرينَ مِنْ هذا العالَمِ بِأَحْجارٍ
لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلا تُبْصِرُ وَلا تَسْمَعُ فَجَعَلَها بَيْتَهُ الحرامَ الّذي جَعَلَهُ للنّاسِ قِياماً).

وعن الإمام الصادق (ع): (هذا البيتُ اسْتَعْبَدَ اللهُ بِهِ خَلْقَهُ لِيَخْتَبِرَ طاعَتَهُمْ في إتيانه، فَحَثَّهُمْ عَلى تَعْظيمِهِ وَزِيارَتِهِ،
وَجَعَلَهُ مَحَلّ أَنْبِيائِهِ وَقْبِلَةً لِلْمُصَلّينَ إِلَيْهِ، فَهُوَ شُعْبَةًٌ مِنَ رِضْوانِهِ، وَطَريقٌ يُؤَدّي إِلى غُفْرانِهِ).

- مكان للرحمة الإلهية: فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إِنّ للَه تَباركَ وَتَعَالى حَوْلَ الْكَعْبَةِ مئةً وَعِشْرينَ رَحْمَةً،
مِنْها سِتّونَ لِلطّائِفيَنَ، وَأَرْبَعونَ لِلْمُصلِّين،َ وَعِشْرونَ للِنّاظِرين).

- مكان أمن للناس: قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً**.

د- السعي بين الصفا والمروة: فإنه يمثل تردّد العبد بفناء الدار جائياً وذاهباً، إظهاراً للخلوص في الخدمة، ورجاءً للملاحظة بعين الرحمة،
وليتذكّر في تردّده التردّد بين الرجحان والنقصان يوم القيامة، مردَّداً بين العذاب والغفران.


وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (جُعِلَ السّعْيُ بَيْنَ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مَذَلَّةً لِلْجَبَّارينَ),
فالمراد من هرولة الحاجّ بين الصفا والمروة أن يقتل في نفسه الكِبَرَ والتّجَبُّرَ والغرور،
وسواها من الأخلاق الذميمة التي تحول بينه وبين القرب من الله عزّ وجلّ.


هـ - الوقوف بعرفات: فلعل سرّ الوقوف بها يكمن في أنّ الحاجّ عندما يرى اجتماع الخلق
- على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وطوائفهم وسعيهم- يتذكر ازدحام الخلق يوم القيامة، فيُخلص النيّة،
ويبتهل إلى الله تعالى بقلب خاشع، ونفس خاضعة لله تعالى.

أخبر المشرف عن هذا الرد | مشاهدة ip

الريفي غير متصل
Old Post 05-10-2013 10:11 AM
اضغط هنا لرؤية هوية العضو  الريفي اضغط هنا لارسال رسالة خاصة الى العضو الريفي تفضل بزيارة صفحة  الريفي شاهد مشاركات العضو  الريفي أضف  الريفي لقائمة الأصدقاء تحرير/حذف رسالة رد بإقتباس
توقيت المنتدى بتوقيت جرينتش . الساعة الآن 07:29 AM.   
  الموضوع السابق   الموضوع التالي أضف ردا على هذا الموضوع
شاهد صفحة الطباعة | أرسل هذه الصفحة بالبريد | الاعلام البريدي في حالة وجود رد جديد

الانتقال السريع :
 

قوانين المنتدى :
notتستطيع كتابة موضوع جديد
notتستطيع كتابة رد جديد
not تستطيع إرسال مرفقات جديدة
not تستطيع تعديل مشاركتك
HTML شفرات :معطلة
vB شفرات : مفعلة
الابتسامات : مفعلة
شفرات الصور : مفعلة
 

< راسلنا - منتدى شبكة الدراز الشاملة >

Powered by: vBulletin Version 2.2.9
Copyright ©2000, 2001, Jelsoft Enterprises Limited.
جميع الحقوق محفوظة لشبكة الدراز الشاملة